فلول: قراءة في التمييع اللغوي والسياسي والأخلاقي
30 أبريل 2026
لم يتوقّف جمهور السلطة عن وصف أي حراك مختلف بالـ "فلول" منذ عامٍ ونصف العام تقريبًا. استعمالٌ مائعٌ ومُفرَغٌ من معناه للمصطلح، وكأنّه تخلّص من كونه ينطبق على رجالات نظام الأسد العسكرية والاقتصادية والسياسية، وأصبح مقاسه واسعًا ليشمل جميع من يعارض السلطة الجديدة، بل حتى إنه يتعدى ليتمّ إلباسه لمواطنين مدنيين لديهم مطالب معيشيّة يوميّة لا علاقة لها بالمعارضة السياسيّة أو بالتنافس على السلطة.
استعمال المصطلح بهذه الاستسهال، يجعل منه محطّ تندّر أكثر منه توصيفًا سياسيًا، فإذا أصبح هذا المصطلح يشمل كلّ من لا يعجبه شيء في سلطة دمشق، فإننا أمام مصطلح هزليّ جديد يحيل إلى مصطلحات تم إفراغها من معانيها خلال خمسة عشر عامًا وأصبحت مجال تندّر مثل: مندسّ، عرعوري، إرهابي… إلخ. بل إن ثوّار سوريا أخذوا هذه المصطلحات وتبنّوها وصنعوا منه موادًا فنيّةً ساخرةً مثل: "نحنا نحنا المندسين وبدنا نعلمك حرف السين (...) ساقط ساقط يا بشار" التي اكتسحت شوارع سوريا في مظاهراتها، ومثل "بدنا نعبي الزنزانات" لفرقة أبطال موسكو الأقوياء، ومثل: "قالوا عنا مندسين" لفرقة المندسين، وغيرها.
وعلى العكس من مصطلح مندسّ الذي أصبح كلمةً ساخرةً مقلوبة المعنى، فإنّ مصطلح "الفلول" ليس كذلك، ولا يجوز التعامل معه كذلك، فنحن بحاجة ماسّة إلى العدالة والقصاص من الفلول، ومن مجرمي الأسديّة ومموّليها، بينما هذا الاستسهال في التعامل مع هذا المصطلح يسلبه معناه، فإن أصبح متظاهر يطالب بإلغاء زيادة أسعار الكهرباء يلقّب بالفلول، فماذا سنقول للفلول الحقيقيين رجالات الحرب ورجال الأعمال الذين دعموا الأسديّة بكل قدراتهم؟ حين يصبح المصطلح صالحًا لوصف كلّ شيء، فإنّه في الواقع لا يصف شيئًا.
من مخاطر استعمال مصطلح "الفلول" أيضًا، أنه يغلق النقاش ويمنع التفكير. فما الذي يمكن أن أناقشه مع "مجرم"؟ إن قال الفلول إن الشمس تشرق من الشرق لقلت إنها تشرق من الغرب! إذن هو يجرّد الآخر تلقائيًا من أيّة حقوق، ويطعن في مصداقيّة كل ما يقوله خاصة في ظل الاستقطاب المؤذي والمشحون السائد حاليًا.
استعمال مصطلح فلول أصبح أيضًا وسيلة إخراس لأيّ صوت مختلف: يطالب الناس بدولة مدنية فيتهمون بأنهم فلول، فتصبح الدولة المدنية تهمة بدورها. يطالب الناس بوقف القتل، فيتهمون بأنهم فلول، ويصبح شعار "دم السوري على السوري حرام" جريمة. يطالب الناس بإلغاء زيادة أسعار الكهرباء، فيتهمون بأنهم فلول. يطالب الناس بعدم إعادة تعويم رجال أعمال الأسد مثل حمشو، أو مجرمي الحرب مثل فادي صقر، فيتهمون بأنّهم فلول أيضًا!
إذن نحن أمام مصطلح يُسلب بشكل غير بريء قيمته اللغويّة والسياسيّة والجنائيّة والأخلاقيّة، ويخفّف أيضًا من جرم من يطلق عليهم، فيساوي بين فادي صقر ومواطن فقير مسالم لا يملك قيمة فاتورة كهرباء جائرة، وهذه مصيبة، فإن كان هذا وذاك لهما وصف واحد، فإما أنك تعني أن جريمة الاعتراض على فاتورة الكهرباء تساوي بفداحتها جريمة الحرب! أو أنك تعني أن جريمة الحرب ليست بذاك السوء، فمثلها مثل أي اعتصام ضد فاتورة الكهرباء! وكلاهما كارثة. قد لا يكون من يساوي بين الأمرين في هذا المصطلح يفعل ذلك عامدًا بالضرورة، لكنّ عدم إدراكه لهذا لا يعفيه من المسؤولية.
طوال عامٍ ونصف لم يكتفِ مطلقو مصطلح "الفلول" بهذه التهمة فقط، فقد أثبتت زيفها في مرّات لا تعد ولا تحصى، لذلك يذهبون إلى سلوكيّات تلفيقّية أخرى، كفبركة الصور (صورة ابنة الشهيد بسّام بصلة)، واختراع أسماء لمتظاهرين (كادعاء شقيقة اللواء حسام لوقا على سيدة من عائلة السقّا). والقضية أن هذه تعتبر جرائم في جميع أنحاء العالم ويحاكم عليها أصحابها بتهم التشهير والتزوير وتشويه السمعة، والمصيبة أن الحسابات التي تمارس هذا التزوير معروفة ومتابعة ومقربة من السلطة ولا نرى تحركًا حقيقيًا لوقف هذه الجرائم الإلكترونية، وبالتالي يصبح أمرًا معتادًا أن نرى شخصًا قضى 13 عامًا في سجون الأسديّة متهم على مواقع التواصل أنه فلول وشبيح.
الجرائم هذه لا تنتهي على مواقع التواصل، فبمجرّد أن تقول "شبيح" في الشارع وسط حشد مشحون وصاحب ألم، قد تنتهي بهذا الذي اتُّهِم بأنه شبّيح مضروبًا ضربًا مبرحًا أو حتى مقتولاً في بلد ينتشر فيه السلاح وتباع فيه بندقية كلاشنكوف بمئة دولار.
بالأمس قرّر شخص اتهام شخص من المعتصمين في ساحة المحافظة بأنه سبّ الذات الإلهية، وبحثت جيدًا وسألت كثيرين في حال سمعوه بشكل مباشر يفعل هذا، ولم يؤكد الأمر أحدٌ لحد الآن، لكن مجموعةً هجمت على الشاب وأخذوا لافتته من يده وضربوه وأدموا وجهه لمجرد أن شخصًا حرضهم ضده.
في المقابل، في اعتصام السابع عشر من نيسان ذاته في ساحة المحافظة، أو ما أصرّ جمهور السلطة على تسميته باعتصام الفلول، وبحسب ما عاينه كثير من المشاركين، لم نرَ شخصية فلوليّة، ولا مطلبًا فلوليًّا، ولا شعارًا فلوليًا، بل كان الأمر الوحيد الذي يمكن وصفه بالفلولية هو الاعتداء على المعتصمين السلميّين، وهم في نسبة جيّدة منهم، من معارضي الأسد الذين شاركوا في الثورة قبل خمسة عشر عامًا ودفعوا أثمانًا كبيرة.
الكلمات المفتاحية
مجلس الشعب الجديد.. أسئلة عن الشرعية والتمثيل السياسي
التوزع الجغرافي وتباين المستويات العلمية واختلاف الشرائح الاجتماعية هي مما يندرج تحت مسمى "شرط لازم ولكنه غير كاف"، فثمة مستوى آخر من التمثيل، هو التمثيل السياسي
الحل السوري في لبنان بين المُتخيل والواقع
هل هنالك حل سوري في لبنان؟ أي هل يمكن لسوريا أن تساهم في التخلص من سلاح "حزب الله" في لبنان؟
كيف نجعل التاريخ يكرر نفسه.. ورغمًا عنه
لسان حالنا اليوم يقول إننا في نقاش محتدم بين فريقين، أولهما يقول: لا يمكن للماضي أن يتكرر، والثاني يجيب: يمكن أن يتكرر ببساطة، وسوف نثبت لكم ذلك
تقرير: تحالف بنكي دولي يقود تمويلًا ضخمًا لمشروعات إعادة إعمار في سوريا
أفادت وكالة "بلومبيرغ" بأن بنك "جيه بي مورغان تشيس آند كو" انضم إلى سلسلة بنوك خليجية للمساعدة في ترتيب تمويل بالدين بنحو سبعة مليارات دولار لمشروعات شركة قطرية في سوريا
أهلي حلب يحافظ على لقبه ويُتوج بطلاً للدوري الممتاز للموسم الثاني
تُوّج أهلي حلب بلقب الدوري الممتاز لكرة القدم، بعد فوزه على الجيش بهدفين دون رد على ملعب الحمدانية في حلب، ضمن الجولة الثلاثين والأخيرة من منافسات الدوري
مواقف تضامنية عربية ودولية متواصلة مع سوريا عقب تفجير دمشق
تتواصل الإدانات العربية والدولية للتفجير الإرهابي الذي استهدف، أمس الخميس، مقهى "المشيرية"، المعروف بـ"مقهى المحاميين"، قرب القصر العدلي في منطقة الحجاز وسط العاصمة دمشق
ريف طرطوس تحت سحابة دخان.. مكب "وادي الهدة" يتحول إلى مصدر اختناق دائم
هذا التلوث الصامت لم يضرب شبكات المياه الحكومية الخاضعة للرقابة، وإنما تسلل مباشرة إلى آبار الأهالي الخاصة التي يعتمدون عليها للشرب والزراعة