ultracheck
قول

الفقر ليس عذرًا للمجزرة

26 أبريل 2026
أمجد يوسف
أمجد يوسف (الترا سوريا)
رامي العاشق
رامي العاشق شاعر وكاتب وصحفي من فلسطين/ سوريا

اعتقال أمجد يوسف في سوريا حدث استثنائي، فهو مجرم حرب ارتكب الكثير من الجرائم أشهرها مجزرة التضامن التي قتل فيها 288 ضحيّةً من الفلسطينيين والسوريين. أهالي الضحايا اجتمعوا حول الحفرة- القبر الجماعي واحتفلوا، ربّما لأول مرّة، وطالب بعضهم بمحاكمة المجرم في موقع الجريمة بحثًا عن عدالة متأخرة. هؤلاء الأهالي، اضطرّوا إلى مشاهدة فيديو المجزرة المسرّب، ورؤية أبنائهم يساقون إلى الإعدام مكبّلي الأيدي ومعصوبي الأعين، ليعرفوا مصيرهم، ثم معرفة أن جثثهم أحرقت جميعها.

على الضفّة الأخرى، تم اعتقال أمجد يوسف من منزل أهله وأمام أنظار والده ووالدته، وفي أول تصريح لشقيقتيه اللتين كانتا معه في البيت، وصفتاه بأنه "فقير"، وأن بشار الأسد هو المسؤول الأول، وأنه لم يتصرّف ولم يقتل بدافع شخصي، وإلا لكان النظام عاقبه. نعم هو الذي أمسك بالسلاح وأطلق النار، ولكنه ليس المدبّر وليس المسؤول.

اللافت في الأمر، أنّ وصف "فقير" يُستعمل منذ فترة طويلةٍ جدًا، وتحديدًا في قضايا تتعلق بمجرمي الجيش والأمن. ولكن الفقر، يمكن أن يكون تفسيرًا لا تبريرًا، بمعنى أنّه يشرح كيف قد تدفع الظروف القاسية بعض الناس إلى السقوط الأخلاقي، لكنّه لا يعفي من المسؤولية. صحيح أننا لم نر مليارديرًا يرتكب مجزرة، أو يرمي البراميل المتفجرة من الطائرة، ثم يعود بطائرته الخاصة إلى قصره على الشاطئ، لكن لو كان الفقر عذرًا للقتل، لكان كل الفقراء قتلة، لكنّ كثيرًا منهم كانوا ضحايا.

استعمال الفقر هنا يوحي بأن الشخص مسكين وغير صاحب قرار، هذا التبسيط والتبرير، يحيلنا إلى تفاهة الشر عند الفيلسوفة الألمانية حنا آرنت، ويحيلنا إلى أيخمان الذي كان يبرر فعلته بأنه كان ينفذ الأوامر فقط. ويذكّرنا أيضًا بتجربة ميلغرام حول الطاعة، حيث يمكن للناس العاديين، وهم يؤدون وظائفهم فقط، أن يتحولوا إلى أدوات في عملية تدمير مروعة.

بالعودة إلى حالة أمجد يوسف، فإن وصف "فقير" أو "مسكين" أكثر خطورة من "كان يطيع الأوامر فقط" لأنّه بالضرورة يسعى للإفلات من العقاب، بوضع الجاني في موضع الضحيّة، ويضع الضحايا أمام "واجب" التعاطف مع الفقير المسكين الذي قتل عائلاتهم. إذن، فهو يحوّل مركز التعاطف ويضعه في غير مكانه؛ فكل تعاطف يُمنح للجلاد بوصفه "مسكينًا"، يُنتزع جزئيًا من الضحية التي لم يُسمح لها حتى بالكلام.

في أول تصريح لشقيقتي أمجد يوسف وصفتاه بأنه "فقير"، وأن بشار الأسد هو المسؤول الأول، وأنه لم يتصرّف ولم يقتل بدافع شخصي، وإلا لكان النظام عاقبه

قد يشعر الإنسان بالشفقة على ظروف شخص ما، لكن هذا لا يلغي وجوب محاسبته. استخدام الفقر كتبرير قد يسيء أيضًا إلى الفقراء أنفسهم، لأنّه يقول ضمنيًا: الفقير أقرب إلى الجريمة، وهذا احتقار طبقي مقنّع بالتعاطف.

إخراج الفقر من سياقه وإخراج جريمة الحرب من سياقها أيضًا فيه الكثير من التلاعب. حين يُستدعى الفقر لتفسير المجزرة، يجري خلط بين مستويين مختلفين: مشكلة اجتماعية تتطلب سياسات عامة، وجريمة فردية/مؤسسية تتطلب محاسبة وعدالة. ويحق للمرء أن يتساءل: ما المطلوب إذن؟ هل يجب أن أقضي على الفقر كي لا تحدث لي مجزرة؟

من جهة أخرى، إن إعفاء المجرمين من جريمتهم، وإلصاقها برأس النظام، بشار الأسد هنا، ينفي الجريمة عن نظام كامل يشمل موظفين بيروقراطيين وعسكريين وإداريين وجمهورًا يشجع على الجريمة وفنانين يستعملون الفن لحماية الديكتاتور وتزوير التاريخ ومواطنين يتحولون إلى مخبرين.. إذن، ثمّة سوء فهم لطبيعة الاستبداد وجرائم الحرب والعدالة، وثمة تواطؤ ضمني مع القتل وتطبيع مع الإبادة.

الاستبداد لا يعيش في القصر الرئاسي فقط، إنما في المخبر، في العائلة، في المدرسة، في الإعلام، في السجن، في الفن، وفي اللغة اليوميّة والسلوك. ولا يُرتكب بيد الطاغية وحده، بل بأيدي موظفين صغار يوقّعون، وعسكر يطلقون النار، وفنانين يزيّنون الدم، ومواطنين يشيحون النظر. ما أريد قوله هنا باختصار: إن حصر الجريمة برأس النظام (الديكتاتور) هو أحد أشكال حماية النظام.

نحن بحاجة، بالتأكيد، لفهم كيف حدثت الجريمة، ولكننا أيضًا بحاجة إلى العمل على كيف تروى الحكاية، وكيف تسمّى الأشياء بمسمياتها. يقول ألبير كامو إن تسمية الأشياء على نحو خاطئ تعني أن نضيف بؤسًا إلى العالم. إن فهم كيف حدثت الجريمة شرطٌ ضروري، لكنه غير كافٍ. فلا بد أيضًا من معاقبة مرتكبيها، وكشف البنية التي أنتجتها، وتبنّي السردية التي تنصف الضحايا وتمنع تبرئة الجلادين.

الكلمات المفتاحية

مجلس الشعب

مجلس الشعب الجديد.. أسئلة عن الشرعية والتمثيل السياسي

التوزع الجغرافي وتباين المستويات العلمية واختلاف الشرائح الاجتماعية هي مما يندرج تحت مسمى "شرط لازم ولكنه غير كاف"، فثمة مستوى آخر من التمثيل، هو التمثيل السياسي


دبابات سورية

الحل السوري في لبنان بين المُتخيل والواقع

هل هنالك حل سوري في لبنان؟ أي هل يمكن لسوريا أن تساهم في التخلص من سلاح "حزب الله" في لبنان؟


مجلس الشعب

كيف نجعل التاريخ يكرر نفسه.. ورغمًا عنه

لسان حالنا اليوم يقول إننا في نقاش محتدم بين فريقين، أولهما يقول: لا يمكن للماضي أن يتكرر، والثاني يجيب: يمكن أن يتكرر ببساطة، وسوف نثبت لكم ذلك


واجهة مبنى قصر الشعب في دمشق

هل يكفي أن تكون القرارات الجديدة قانونية؟

الدولة القوية بمؤسساتها الفاعلة وقوانينها الواضحة ومنظومتها الرقابية الشفافة هي الأقدر على حماية حقوق مواطنيها على المدى الطويل

جيه بي مورغان تشيس
أخبار

تقرير: تحالف بنكي دولي يقود تمويلًا ضخمًا لمشروعات إعادة إعمار في سوريا

أفادت وكالة "بلومبيرغ" بأن بنك "جيه بي مورغان تشيس آند كو" انضم إلى سلسلة بنوك خليجية للمساعدة في ترتيب تمويل بالدين بنحو سبعة مليارات دولار لمشروعات شركة قطرية في سوريا

أهلي حلب
منوعات

أهلي حلب يحافظ على لقبه ويُتوج بطلاً للدوري الممتاز للموسم الثاني

تُوّج أهلي حلب بلقب الدوري الممتاز لكرة القدم، بعد فوزه على الجيش بهدفين دون رد على ملعب الحمدانية في حلب، ضمن الجولة الثلاثين والأخيرة من منافسات الدوري


إدانات عربية ودولية
أخبار

مواقف تضامنية عربية ودولية متواصلة مع سوريا عقب تفجير دمشق

تتواصل الإدانات العربية والدولية للتفجير الإرهابي الذي استهدف، أمس الخميس، مقهى "المشيرية"، المعروف بـ"مقهى المحاميين"، قرب القصر العدلي في منطقة الحجاز وسط العاصمة دمشق

وادي الهدة
مجتمع واقتصاد

ريف طرطوس تحت سحابة دخان.. مكب "وادي الهدة" يتحول إلى مصدر اختناق دائم

هذا التلوث الصامت لم يضرب شبكات المياه الحكومية الخاضعة للرقابة، وإنما تسلل مباشرة إلى آبار الأهالي الخاصة التي يعتمدون عليها للشرب والزراعة

الأكثر قراءة

1
أخبار

مصدر أمني يوضح تفاصيل الهجوم على حاجز "كشكول" بريف دمشق


2
أخبار

توتر أمني وحظر تجوال في إنخل شمالي درعا بعد تجدد الخلاف بين عائلتين


3
أخبار

فيدان: تغيّر مقاربة واشنطن للملف السوري ساهم في تقليص خلافاتنا معها


4
أخبار

تواصل الإدانات لتفجير دمشق.. إعلان التضامن مع الشعب السوري ورفض لكل أشكال الإرهاب


5
أخبار

قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار باتجاه بلدة معرية في ريف درعا


advert