ultracheck
قول

لا طاعة ولا معصية بل مواطنة كاملة

10 ديسمبر 2025
الرئيس السوري أحمد الشرع يُلقي كلمة في المسجد الأموي في ذكرى إسقاط النظام
الرئيس السوري أحمد الشرع يُلقي كلمة في المسجد الأموي في ذكرى إسقاط النظام (رئاسة الجمهورية/ الترا سوريا)
رامي العاشق
رامي العاشق شاعر وكاتب وصحفي من فلسطين/ سوريا

في ذكرى إسقاط الأسد ودخول "هيئة تحرير الشام"، عاد رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية إلى الجامع الأموي بالرداء العسكري ذاته الذي دخل المسجد فيه قبل عام. أمَّ بالمصلينَ في صلاة الفجر، وقرأ: "إذا جاء نصر الله والفتح"، واعتلى "الفاتح" المنبر وقال من بين ما قال: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم". مستحضرًا عبارة أبي بكر الصديق الشهيرة، في رابع أهم مسجد في العالم، منتصرًا، عسكريًا وإمامًا.

للشرع لغات عديدة مختلفة بقواميس لغوّية مختلفة، ومنطق مختلف، يختار منها ما يناسب الطرف الآخر في الحديث ومكانه. فما يقال في لقاء تلفزيوني مع صحافة أجنبية، لا يشبه ما يقال على منبر جامع، ولا ما يقال في اجتماع حكوميّ، لا لأنه يناقضه، إنّما لأن قاموسه ومفرداته مختلفة. أو كما يقال "لكلّ مقام مقال".

ومع ذلك، استوقفتني هذه الجملة طويلاً. ففي النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن، تتكرر مقولات تقليدية ماضويّة مثل "أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم"، لتعيد إنتاج نموذجٍ عموديّ للعلاقة السياسية، من الأعلى إلى الأسفل، يقوم على الطاعة والخضوع والتراتبية الأخلاقية.

هذا النموذج يرتكز على فكرة أنّ الحاكم هو المرجعية، وأن المواطن تابعٌ يُنتظر منه الامتثال. إلا أن علاقة السلطة بالمواطن ليست علاقة طاعة ومعصية في مفاهيم الدولة الحديثة. السلطة مسؤولة عن تحقيق مصالح المواطن وخدمة حقوقه وأمانه ورفاهيته. إن لم تحقق هذه المصالح، تسحب منها شرعيتها ويتم اختيار غيرها.

 لا تطيعوا السلطة بل اختاروها وراقبوها وحاسبوها. ولا تطيعوا الرئيس بل فوّضوه وحاسبوه وقوّموه وعلّموه

مبدأ الطاعة والمعصية يتناقض جذريًا مع فلسفة الدولة الحديثة، ومع أبسط مبادئ المواطنة والحقوق والحريات. العلاقة بين المواطن والسلطة علاقة حقوق مصونة، وواجبات متبادلة، وكرامة لا تُمسّ. السلطة جهاز مؤسسي مؤقت، يُفَوَّض لخدمة الناس، وتفقد شرعيتها إن خالفت غايتها الأساسية: حماية الإنسان، حقوقه، أمنه، وكرامته.

ما ينظم علاقة المواطن بالنظام الحاكم هو الالتزام بالقانون، الذي بالضرورة يجب أن يتم تفصيله ليخدم المواطن لا صاحب السلطة. وهناك فرق جوهري بين الالتزام بالقانون كضرورة اجتماعية من منظور المواطنة، وبين الخضوع والطاعة كعلاقة سلطوية. في المواطنة تلتزم بالقانون ولا تغلق عينيك ولا تمتنع عن التفكير والنقد، أما في الثانية، فثمة من يملي عليك. في الأولى، إن كان ثمة قانون جائر ستسعى لتغييره، في الثانية تمتثل له. أتذكر منذ أكثر من أربعة عشر عامًا قلت: "لست مع القانون لأن القانون على حق؛ أنا مع الحق، لأن الحقّ قانون".

القانون ليس مقدّسًا، ولا يحمل شرعيته من ذاته. الشرعية تأتي من العدالة، والقوانين الجائرة يجب أن تكسر. ولهذا: قوانين العبودية كانت "شرعية" لكنها ظالمة. الهولوكوست كان "مقوننًا" لكنه جريمة. التظاهر كان "غير مشروع" لكنه فعل تحرري. الثورات كانت "مخالفة للقانون" ولكنها أنقذت الشعوب. إذن، ليس كل قانون واجب الاحترام. ولكن ما يمنحك الحرية لتحلّل وتفكّر وتنتقد وتتخذ موقفًا هو نقيض الطاعة. الالتزام بالقانون فعل مسؤول، أما الطاعة فهي خضوع. والحرية السياسية لا تُبنى على الخضوع.

قد يقول أحد إن الطاعة أو الامتثال ضرورة للاستقرار، ولكن حجّة الاستبداد المتكررة هي أن الحرية تُسبب الفوضى، بينما الخوف يجلب الأمن.

الواقع، وتجارب التاريخ، يقولان العكس تمامًا: الاستقرار المبني على القمع هو صمت مؤقت لا توافق حقيقي، والمجتمع الذي يُمنع من الاحتجاج لا يختفي غضبه بل يُخزّن. كل منعٍ للحريات يزيد الضغط الداخلي حتى اللحظة التي ينفجر فيها.

أما الأمن الحقيقي فلا يأتي من الطاعة، بل من العدالة والمساواة والمشاركة السياسية والمؤسسات المستقلة، والمواطن القادر على التعبير بحرية. الأمان داخل العبودية ليس أمانًا. هو مجرد انعدامٍ للخطر لأن الحياة نفسها مكبّلة. أو يمكن القول إنه أمان الموتى.

وقد يقول آخر إن "شعبنا غير جاهز" وهذه أسطورة سلطوية واهية. الإنسان لا يولد غير مستحقّ للحرية.

الإنسان يُحرَم من الحرية طويلًا، فيظن أنه غير مؤهل لها. الحرية فطرة، وحق طبيعي، وأساس الكرامة الإنسانية. والمجتمع لا يتعلم الحرية إلا بممارستها، لا بانتظار الإذن بها.

بالعودة إلى الطاعة يستند الشرع في مقولته إلى الحديث الشريف "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". لذلك يشرّع بناء على هذا الحديث طاعة وليّ الأمر في كلّ شيء إلّا معصية الخالق. ولكن ماذا عن الأشياء الأخرى، مثل أن يقرر أن يحكم لخمسين سنة، لا معصية للخالق هنا، أو أن يحوّل الجمهورية إلى مملكة، أو يمنع الأحزاب السياسية، أو أن يمنع التظاهر.. وغيرها، كل هذه أمور تتعلق بالحكم ولا تتعلق بتشريعات الخالق. هل نطيعه فيها؟

لذلك، فإن عقلية السمع والطاعة هي عقلية حاكم ومحكوم، راع ورعية، متبوع وتابع، آمر ومأمور. وهذه العقلية قاصرة ومودية للهلاك. لا تطيعوا السلطة بل اختاروها وراقبوها وحاسبوها. ولا تطيعوا الرئيس بل فوّضوه وحاسبوه وقوّموه وعلّموه، والتزموا بالقوانين التي تحمي المواطنين وتساوي بينهم وتحفظ كرامتهم، أما إن سنت قوانين تسيء إلى كرامة الناس، وتظلم أولئك الأقل حظًا والمهمّشين أو المختلفين، فاخرجوا عنها وعليها.

الكلمات المفتاحية

مجلس الشعب

مجلس الشعب الجديد.. أسئلة عن الشرعية والتمثيل السياسي

التوزع الجغرافي وتباين المستويات العلمية واختلاف الشرائح الاجتماعية هي مما يندرج تحت مسمى "شرط لازم ولكنه غير كاف"، فثمة مستوى آخر من التمثيل، هو التمثيل السياسي


دبابات سورية

الحل السوري في لبنان بين المُتخيل والواقع

هل هنالك حل سوري في لبنان؟ أي هل يمكن لسوريا أن تساهم في التخلص من سلاح "حزب الله" في لبنان؟


مجلس الشعب

كيف نجعل التاريخ يكرر نفسه.. ورغمًا عنه

لسان حالنا اليوم يقول إننا في نقاش محتدم بين فريقين، أولهما يقول: لا يمكن للماضي أن يتكرر، والثاني يجيب: يمكن أن يتكرر ببساطة، وسوف نثبت لكم ذلك


واجهة مبنى قصر الشعب في دمشق

هل يكفي أن تكون القرارات الجديدة قانونية؟

الدولة القوية بمؤسساتها الفاعلة وقوانينها الواضحة ومنظومتها الرقابية الشفافة هي الأقدر على حماية حقوق مواطنيها على المدى الطويل

جيه بي مورغان تشيس
أخبار

تقرير: تحالف بنكي دولي يقود تمويلًا ضخمًا لمشروعات إعادة إعمار في سوريا

أفادت وكالة "بلومبيرغ" بأن بنك "جيه بي مورغان تشيس آند كو" انضم إلى سلسلة بنوك خليجية للمساعدة في ترتيب تمويل بالدين بنحو سبعة مليارات دولار لمشروعات شركة قطرية في سوريا

أهلي حلب
منوعات

أهلي حلب يحافظ على لقبه ويُتوج بطلاً للدوري الممتاز للموسم الثاني

تُوّج أهلي حلب بلقب الدوري الممتاز لكرة القدم، بعد فوزه على الجيش بهدفين دون رد على ملعب الحمدانية في حلب، ضمن الجولة الثلاثين والأخيرة من منافسات الدوري


إدانات عربية ودولية
أخبار

مواقف تضامنية عربية ودولية متواصلة مع سوريا عقب تفجير دمشق

تتواصل الإدانات العربية والدولية للتفجير الإرهابي الذي استهدف، أمس الخميس، مقهى "المشيرية"، المعروف بـ"مقهى المحاميين"، قرب القصر العدلي في منطقة الحجاز وسط العاصمة دمشق

وادي الهدة
مجتمع واقتصاد

ريف طرطوس تحت سحابة دخان.. مكب "وادي الهدة" يتحول إلى مصدر اختناق دائم

هذا التلوث الصامت لم يضرب شبكات المياه الحكومية الخاضعة للرقابة، وإنما تسلل مباشرة إلى آبار الأهالي الخاصة التي يعتمدون عليها للشرب والزراعة

الأكثر قراءة

1
أخبار

مصدر أمني يوضح تفاصيل الهجوم على حاجز "كشكول" بريف دمشق


2
أخبار

توتر أمني وحظر تجوال في إنخل شمالي درعا بعد تجدد الخلاف بين عائلتين


3
أخبار

فيدان: تغيّر مقاربة واشنطن للملف السوري ساهم في تقليص خلافاتنا معها


4
أخبار

تواصل الإدانات لتفجير دمشق.. إعلان التضامن مع الشعب السوري ورفض لكل أشكال الإرهاب


5
أخبار

قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق النار باتجاه بلدة معرية في ريف درعا


advert