قبل حوالي الأسبوعين من الآن، شاركت في حملة تشجير مع رواد الطبيعة في منطقة غربي دمشق. كان هنالك العديد من المشاركين ومن مختلف المشارب والجمعيات والمناطق السورية، وقد قام الجيش السوري بتسهيل العملية والمساعدة. أستطيع أن أجزم القول أن مثل هذا النشاط هو أمر يسر ويظهر تعاون الإنسان على محاولة إعادة بناء ما أفسده عبر العصور. كما أنه يدل على ارتباط الناس بالأرض على اختلاف مشاربهم.
وفي غمرة التشجير ، وعندما كان الناس يتسابقون لكي يزرعوا العدد الأكبر من الأشجار، كنت ارافق صديقة لي، والتي أصرت على أن تذهب للمشاركة بالتشجير رغم أن قدمها مصابة بكسر طفيف، وجدنا شجرتين لكي نقوم بزرعهما. ولدى اقترابنا من الغرستين، لفت انتباهي كيساً بلاستيكياً ذو لون أسود بين الأعشاب: إنه الكيس الذي يحوي الغرسة، وقد تركه المتطوعون على الأرض بعد أن قاموا بالغرس.
عظيم، نظرت حولي هذه المرة ولكن بطريقة أخرى، لأبحث عن اللون الأسود، وهنا، تفاجأت بوجود العشرات من الأكياس التي تحيط بي، والتي لم أرها في البداية. سألت نفسي مستغرباً: هل تعودت عيننا على رؤية الأكياس منتشرة في كل مكان فلم نعد نلحظها؟ ألهذه الدرجة تعودت عيننا على التلوث؟ وكيف يترك متطوعون يحملون حساً عال من المسؤلية الأكياس ملقاة على الأرض؟
هنا، لم أعد أكترث للتشجير فعلاً، بل تركت كل شيء وبدأت وصديقتي وعدد آخر من المتطوعين بنتظيف المصاطب من الأكياس السوداء، وبدأت تتكشف لي حقيقة أخرى: بعض الأكياس بحالة ممتازة مع أنها ملقاة منذ أكثر من عام وقد غطى معظمها التراب، بعض الأكياس الأخرى قد تم تجميع المئات منها وراء وتحت صخور كبيرة وبين أشجار البلوط البرية التي تواجدت أصلاً في المنطقة، من الأشياء التي وجدتها أيضاً عبوات فارغة لرصاص صيد، علب سردين صدئة وغيره.
لا أستطيع إلا أن أثمن الحس العالي للمتطوعين وحماستهم.. ولكن…
في أعالي الجبال، في المكان الأكثر بعداً عن المدنية قرب الحدود مع لبنان ووسط ما تبقى من الأحراش البرية، نرى أوساخنا الني تركها المتطوعون وبعض الصيادين لتدوم لمئات أو حتى آلاف السنين. يالها من هدية جميلة نتركها للأجيال القادمة.
