هنا رقصتُ على الجرح العراقي في 2005
التقينا قبل أحد عشر ربيعا.. وربيع.. أتذكر؟ كان بائع العصير قرب دوار السبع بحرات يعصر الألوان ليقدمها في كأس زجاجي كبير ذي مربعات ناتئة.. كان بائعوا الكتب يفرشون شارع الحلبوني بالأدب والفلسفة والتاريخ.. هل قلت التاريخ؟ عذرا سيدي لم يكن هناك تاريخ.. نحن نعيش اللحظة ذاتها منذ بدء الخليقة.. منذ الخطيئة الأولى.. بل منذ ويسفك الدماء.. كان بائعوا الكتب يفرشون شارع الحلبوني بكتب الأدب والفلسفة والمذاهب.. هل يختلفان؟! لا عليك سيدي.. كنا هناك.. كنا خاطئَين بطفولة.. بطريقة تتمنى لو كنت إلها لتمنحها الديمومة وتحفظها بعينك من الشيطان الرجيم.. وحين تحدينا بالكؤوس وفقدنا وعينا معا وصحونا بصداع مشترك عرفت أني سألتقيك يوما.. ما لم أعرفه أبدا هو ما بين اللقائين..
وسقطتْ في دمعتها مئذنة
حين اقتنصتُ تلك القبلة في حديقة الجاحظ لم أكن كاذبا.. تمنيت لو أقول لها ذلك.. لكنني بذات الطريقة التي لا أجد معها الكلام ابتسمت ببلاهة فقط.. حسنا.. لاشيء يذكر.. سقطتُ في سوق الأسهم.. ونهضتُ مع نهضة النفط.. اعتزلتُ دول العرب وقضيتُ ليالي الصيف في عواصم أوروبا.. لم أتزوج بعد ولكني لم أعد أخشى أن أمسك بيد فتاة…
ووددتُ لو أنها تختفي…
هل يعقل أني هكذا..؟
من قال إني أريد الحساب..؟
أنا أعيش بطريقة صالحة
طلبتُ كأس نبيذ فرنسي.. ألم أقل لكِ إني لم أعد أشرب عَرَق السويداء.. وابتسمتُ.. كما أني مازلت لا أجيد الدبكة
التقينا في (آخر طلعة) من (مزة الجبل) الحي المرتقية مساربه وكأنها طرقات نحو سماوات دمشق.. ولم أكن أجادلها في الكتاب إلا لأبحر في عينيها الزرقاوين.. كانت تدير متجرا صغيرا يبيع التحف النحاسية والتماثيل المضيئة وأشرطة كاسيتات قديمة وحديثة وكتب مستعملة.. عدت غدا للبحث عن المسرحيات الغنائية لفيروز ووديع الصافي ومصطفى نصري وفردت أشرعتي في تلك العينين.. لا أجد هذه المسرحيات في السعودية.. ابتسمتْ بمكر : ما تعني لك الحدود؟ .. أنا رجل يبحث عن الأفضل ولا أقل.. لعنتني في سرها وتغيرت ملامح وجهها فارتجلتُ الجسر : أخوالي من سوريا.. وتغير كل شيء
لا أدري متى أحببتها.. قبل أن تغني فيروز (تبقى بلدنا بالحمام مسيجة.. ويضحك ع هالعلوات غيم بنفسجي) أم بعد ذلك.. كل ما أعرفه أني لم أكذب.. وأني غدوت النورس الذي يذرع السماوات البحرية كل يوم ويغني.. دون ملل
نزلنا في وسط عمّان.. بقينا في باحة المدرج الروماني ما شاء الله لنا أن نبقى ثم سرنا عبر سوق البلد وضحكنا على كل شيء.. هكذا إذن ننضج.. دعوتها إلى مقهى في عبدون فأدارت وجهها نحوي وقالت بتحدي : بل ندخل أول مقهى نتعثر به في هذا التاريخ الموغل.. تأملتُ في عينيها.. ماتزال جميلتان ولكن ليستا لا سماء ولا بحر.. وأنا بلا أجنحة كما أني لا أرغب في الطيران.. بقية من خفق لم أعد أعرفه جعلتني أهتف : هيا إذن.. أمسكت بيدها وسرنا.. جميلة هي عمّان.. أحببتها.. وسَرَتْ في جسدي قشعريرة.. ما الذي يحل في النساء والمدن التي تحبها؟ ضغطتْ بكفها على أصابعي برفق وكأنها قرأتْ توتري.. هل تغفرين لي؟ قلتُ في سري دون أن أنطق
بعد ثلاث أمسيات وبتعثر تعلمت التحليق مرة أخرى.. بدا أني أتورط في ذاكرة طمرتها الدرجة الأولى في الرحلات الدولية لعدة تلافيف.. كانت المؤتمرات وورش العمل التي تستهلك كل ساعات الشمس تقريبا تشغلني تماما.. لم أعد أشتاق لذلك الشاب الذي لا يكف عن نظم الأبيات.. لكن وجبة العشاء والتسكع في عمّان ويدي تقبض البحر وسماواته كانت وطنا لم أشعر بالحنين إليه لكني أستمتع بدفئه ونبرته الهامسة.. في المساء الرابع عند مشرب الفندق وضعتْ أغنية دبكة على جوالها خلعتْ كعبها بشغب وقالت بصخب (تعا تعلمك الدبكة) ونبت في عتمة المكان زيتون درعا تحفه عصافير الجامع الأموي.. ومن جسدها فاحت رائحة الليمون ورائحة تشبه مقدمات المحلات الحجرية حين يرشها الباعة عند الشروق.. وبعد عدة كؤوس انحنيت على بردى وشربت حتى ثملت.. ثم استلقيت على ضفافه ووددت لو أبكي.. كانت تطالعني بعمق صامت.. ملت برأسي إليها وتماهى خط الأفق بسرابية بين صحرائي وسماواتها.. قلت لها عيناك البحر.. وحلّ صمت ثقيل قبل أن تهمس ببحة: البحر يقتل.. ثم عاد الصمت.. ولم يكن صمتي تأمليا.. كان صمتا بلا تفكير.. سقط برميل بارود في رأسها فبكت بإجهاش وتبللت خصلة الذهب.. رفعتُ الذهب المنسدل ووضعتُ يدي على خدها وكنت سأقول بلا تفكير وبصدق ناصع (أحبك) لكنها تملصت برعب من يدي وحملتْ معطفها الجلدي.. كانت تبكي بحرقة وأنا أعترض طريق خروجها.. لم تكن تسمع شيئا مما أقول وتشيح بنظرها عني دون أن تتوقف السماوات عن المطر.. استسلمتُ لإصرارها حين لاحظت تصاعد ارتجافها.. ولم أنمْ.. لكني لم أقدر على البكاء.. هل كنت أتمنى أن أبكيها أم أبكيني.. فقدت حماستي لعروض النهار وكرافتاتها.. اتصلتُ بها مرات لاتحصى طوال الأيام الثلاث التالية.. وبقيت أكتب في مشرب الفندق ملغيا زيارة البتراء بعد انتهاء أعمالي.. فكرت في تأجيل مغادرتي ولكن ما عساي أفعل.. وماذا سأقول لها لو أجابتني.. لم أكن سأنطق ما يبدو الآن كذبة بعد قليل من التفكير.. توقفت عن محاولة الاتصال بها.. سمّيتُ على الأردن وأهلها.. وصعدت الطائرة
السبت 6 فبراير 2016
الأردن – عمّان









