درسناها حين مررنا بالمرحلة التعليمية الثانوية ، حيث كانت في مقرر “البكالوريا” العلمي والأدبي على حد سواء ، كنا نقرأ أسماء تلك المذاهب ونحاول إسقاط إرث كل أديب في ذاكرتنا على إحدى تلك المذاهب ، وكان من الوضوح بمكان أن من ألّف كتاب اللغة العربية آنذاك تعمّد أن يجعلنا ننحاز إلى مذهب دون آخر لسبب استراتيجي بعيد ، الكلاسيكية “ الرومنطيقية “ لم تكن المفضلة لدى من يضع المنهاج ، بل إن المذهب الواقعي والواقعي الجديد هو من كان صاحب الحظ الأوفر في عناية المؤلفين ، انتقدوا الفكر الإصلاحي عند الشعراء كأحمد شوقي حين قال :
أيها العمال أفنوا العمر كداً واكتسابا
اطلبوا الحق برفقٍ واجعلوا الواجب دابا
واستقيموا يفتح الله لكم باباً فبابا
يعني مازلت أذكر تهكم الأستاذ الواضح على هذه النوعية من الفكر الذي يطالب العامل بأن يبذل 110 % من مجهوده ، وحين يطالب بحقه ، يجب أن يطالب بصوت منخفض وبانكسار ولا يثور أو يمتعض ..
مازلت أذكر تهكّم الأستاذ الواضح أيضاً على الفكر الرومنطيقي الكلاسيكي باعتبار أن كل رأس ماله هو الوقوف على الأطلال والبكاء على الماضي وأمجاد الماضي والحنين إلى أول الغيث ..
واليوم .. بعد ما يقارب الخمسة عشر عاماً على هذا الكلام ، نجد أنفسنا في حيرة شديدة ، فالواقع الحكومي يسوّق للفكر الإصلاحي ، ويدين الفكر الثوري بشكل أو بآخر ، هل يمكن للأستاذ “ الله يذكره بالخير “ اليوم أن يقول ما قاله قبل 15 عاماً ؟ ..
بل إن الظروف الاقتصادية التي تهيمن على الوضع إجمالاً تدفعنا دفعاً إلى التمسك بالماضي والوقوف على الأطلال والعودة إلى التراث من باب إيجاد البدائل ..
أذكر أني لفترة قريبة جداً كنت أتغنى بجمال فانوس الكاز وكيف كنا نشعله في الثمانينات مساءاً حين تقطع الكهرباء لساعات تقنينية طويلة .. ودائماً ما كان يخطر في بالي سؤال : “ ولك كيف كنا عايشين وقدرانين نتحمل نقعد ساعات على ضو فانوس كاز “ ، وأذكر صوت “ ببور الكاز “ أيضاً ، كان لدى أمي واحداً تستخدمه بين الحين والآخر .. أذكر كيف كان الموز سلعة لا يتداولها إلا أولي الشأن وأصحاب الجناب والرفعة ، ومن بيده موزة فهو حتماً ابن شخص “ مدعوم “ .
ولو وقف الأمر على المذاهب الأدبية .. لهانت …
ملئت رؤوسنا بأننا إخوة في هذا الوطن المعطاء ، ولا مذاهب تفرقنا ولا أديان ، ليس في سوريا فحسب ، بل على طول الوطن العربي وعرضه ، فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا .. لسان الضاد يجمعنا بغسان “ مسيحي “ وعدنان “ مسلم “ …
هل أثبتت الأحداث فعلاً أننا نحب بعضنا ؟ .. لا أتحدث هنا عن شعارات فارغة يحملها الطرفان على حد سواء ، فالمؤيدون يشددون على نبذ الطائفية على يافطاتهم ، والمعارضون يفعلون ذلك أيضاً .. لكنها لعنة النظرية والتطبيق .. !
عتبي على مؤلفي مناهج التدريس للغة العربية .. عتبي على أساتذتي الأفاضل
كنتُ رغم كل إشاراتهم بأن المذهب الرومنطيقي الكلاسيكي لا ينفع لهذه المرحلة من تاريخ أمتنا .. ورغم كل هذا التسويق للمذهب الواقعي والواقعي الجديد ، أجد نفسي متعاطفاً وميالاً أكثر للكلاسيكية كما أفهمها ، وبما تحمله من جماليات وروحانيات ولمسات أدبية خيالية وإبداعية .. لكن كما تعلمنا .. من غير المفيد أن تقول برأيكَ .. يجب عليكَ أن تقتنع بما يملى عليكَ لتنجح وتحصد العلامات اللازمة …
واليوم أجد أني كنت على حق .. فها نحن نعود إلى الكلاسيكية مرغمين شئنا أم أبينا .. ولو من باب الاقتصاد والوضع الاقتصادي ..
ها هم يعودون لفكر أحمد شوقي الإصلاحي _ رغم أنهم استطاعوا حينها إقناعي بأنه غير مجدٍ _ ويجدون فيه الحل الأنسب والأسلم .
بتُّ أكره كلمة “ مذاهب “ أدبية كانت أو عقائدية دينية ..
وللمرء فيما يهوى .. مذاهب .






