يا لبؤس السيّدة “م” حين علِمت أنّ ذاك الغثيان والدوار لا علاقة لهما بنظامها الغذائي الصارم. بل جنين صغير “مضغة” ستّتمّ شهرها الثاني قريباً. لم يخطر هذا ببالها إطلاقاً، كانت قد اكتفت بطفليها الصغيرين منذ أربعة أعوام، وزّعت مقتنياتهم من سرير وعربات. وأغلقت باب العلّية على صندوقين ضخمين يضمّان ملابس لهما وألعاب، حيث جرت تقاليد عائلتها أن يحتفظ الفرد لأطفاله بشيء من مقتنيات الطفولة ليرسلوها بدورهم للأبناء
!هه. يا لسعادة ابنائها بهذا الورث الثمين
في الآونة الأخيرة كانت أحلامها الليلية تدور حول الركض بأقصى سرعة نحو طائرة تُحلّق دونهم. لا مطار ولا مدرّج ولا حتى قاعات انتظار. فقط طائرة تتوسط فسحة غير معلومة. الحلم يتكرّر دوماً مع اختلافات بسيطة. لكن المشهد الأساسي يتمحور حول الركض اللاهث مع زوجهّا. يحملُ كلٌّ منهما طفلاً بين ذراعيه
الأمر المشترك في كلّ الأحلام هو أنّ هذه الطائرة تُقلع دونهم دوماً
الطفل الثالث لم يكن في المشهد، لقد جاء بمثابة الفاصل الهزلي الذي يأتي بين فصول المسرحية، إما لتصعيد الشحن العاطفي، أو لتخفيف التوتر الدرامي. أو كليهما
أصبح الهروب مستحيلاً في الحلم والواقع. هذا ما فكّرت به حين تأكّدت شكوكها إزاء الحمل مع مجيء نتيجة التحليل على الإيميل
“بلا دراما مــامــا!”هذا ما قالهُ ابنها ذو الثماني سنوات حين رأى دموعها تتساقط، في حين قفزت الصغيرة فرحاً لأنّ هناك “بوبو” في بطن الـ ماما
المدينة تنضح برائحة عرق وعفن.. وفي زوايا أخرى يلتقط الأنف رائحة لتفسخ بطيء قادم من أكوام القمامة التي تجمّعت منذ أيام. في الساحات والأسواق مشهد جديد وفريد. بضاعة أجنبية متنوّعة تفترش الطرقات، عبوات ماء معبّأة بالبنزين الحرّ، سيارات أو أِشخاص مع لافتات “نصرّف كافّة العملات الأجنبية”
تلك السمات مرئية ولا مرئية في آن معاً. فالعين لم تعد تلتقطها كشيء ناشز بعد مرور فترة قصيرة، بل تحوّلت إلى جزء منسجم مع المشهد العام. عموماً لا شيء ناشز في المشهد العام، فالبلد تتلّقف كل جديد وتهضمه دون عسر. نمشي الهوينى أنا وصديقتي التي تسترسل في مديح شوارع دمشق. تكاد تقبّل الهواء وتحتضنه، تقسم أنّ لا مثيل لهذه المدينة
المزاج الكالح يحرمني رؤية الجمال الذي حمل معهُ هذه البهجة لها. أليس الجمال في عين ناظره؟
هاجرت صديقتي مع شقيقيها وتركت والديها الذين لم يطل انتظارهم فقد لحقوا بهم إلى البلاد “المتُجمّدة” كما تطلق عليها
!تصيح: كندا قبيحة
يترجم حاجباي دهشتي الساخرة إزاء تصريحها هذا: حسناً لِما فيروز كانت تخشى من الحسد على بيتها الصغير في كندا ذاك الذي لا تريد أن يشوفه حدا
دمشق وشوارعها التي تخلو من أي رائحة للتحضّر المدني. من اللطف أو التناسق. مدينة تذر الغبار في العيون. “حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري”. تستنكر بلطف: لكن على الأقل أزلنا تلك التماثيل البشعة المُرعبة التي كانت مزروعة ككاميرا مراقبة في كل زاوية. سنسترجع إيقاع المدينة الجذاب الذي نحلم به تدريجياً
أكمل دندنتي..
“ما أنتِ والوعد الذي تعدينني. إلّا كبرق سحابةٍ لا تُمطر”
نسارع الخطى لأنّ المساء اقترب. أسألها: هل شعرتِ يوماً أنّ قاسيون يبدو أحياناً مُخيفاً وضخماً؟ ككائن يرمي بثقله وأنفاسه على الحشود أسفله. تستنكر وتصحّح: تقصدين كائن يحضن بأنفاسه وذراعيه الحشود أسفله
!آه.. يا للرومانسية المُغتربين
نقترب من ساحة الأمويين. تبدو السماء داكنة وقد تخلّت عن طيف الألوان الوردية من بقية ضوء شمس باهتة.. تمتصّني كآبة المساء ويُترجم حاجباي ذلك دونما أشعر، بدوت كمن يوشك على البكاء.
حاولت أنّ أفكّر كيف تبدو السماء الآن في مكان آخر. هذه المُمارسة القديمة عندي، قلّما تفشل في انتشالي من المشاعر الطاغية اللحظية. أتخيّل نفسي أمشي الآن في أحدّ الأزقّة الموازية لشارع الاستقلال في إسطنبول. لأصل إلى تلك الفسحة السماوية الصغيرة التي تعلو برج “غلاته” أجلس في ذلك المقهى على الزاوية. وأرفع رأسي تلقائياً لأراقب أولئك السيّاح في قمّة البرج. أًصطدم بسماء دمشق ورأس السيف الأمويّ الذي وصلنا إليه. هناك تجمّع لحشد صغير، كان لهم مظهر السيّاح في المواقع الأثرية. التقطوا الصور بصخب هائل. سعادتهم تكاد تكون مُعدية
تُيقظني كلمة ” فلول” من هلوساتي. تلكزني صديقتي: وجهك العابس يوحيّ بأنّي من “الفلول”. تُضيف بأن السعادة هي شعار المرحلة
لم أمشي في الساحة سيراً على الأقدام منذ زمن طويل، بدت شاسعة للغاية. باغتتني خاطرة لطالما أضحكتني، لكنّها أدهشني أنّها المرّة الأولى التي أٌقولها بصوت مسموع وأنا في هذه الساحة: كيف لشخص عاقل أن يُطلق اسمه بهذه الكثافة الوقحة على مجمّع الأبنية في تلك البقعة الجغرافية الضيقة! دار الأسد، مكتبة الأسد، جسر الرئيس، مشفى الأسد الجامعي، بيت المهندس باسل الأسد
ترن ضحكاتنا عالياً: ألا ترين؟ أليست هذا كفيل بإحياء الرّوح؟
توصلني إلى السيارة التي ركنتها على أحد منافذ الساحة.. الطلقة التي أصابت نافذة سيارتنا الكهلة بدت ثقب صغير غير مرئي في يوم الثامن من ديسمبر، يومها قلت إنّها دمغة أو توقيع هذا اليوم الاستثنائي على شيء من ممتلكاتنا. زوجي رأى فيها فأل شؤم. تجاهلته فهذا طبعه. الثقب المشؤوم تحوّل إلى شبكة عنكبوتية من التشقّقات التي انتشرت وأصبحت تحتّم تغيير الواجهة الزجاجية سريعاً
انتشلتني من تأمّلاتي رسالة وصلت على هاتفي تُعلمني بوصول حوالة مالية. إنّهُ راتبي الذي أتقاضاه بالدولار وهو يتضاءل وينكمش كل شهر حتى بلغ نصفه تماماً في هذه المرّة. تبخّر مرودي المادي لكن في المقابل ليرتنا السورية نهضت. أليس هذا كفيل أيضاً بإحياء الرّوح؟
***
ضمن المشاريع المؤجّلة التي أتقن التفكير فيها طويلاً ومن ثمّ تأجيلها باحتراف لا مثيل له. مشروع الكتابة عن “إيتيل عدنان” ورفيقة دربها “سيمون فتّال“. لا أدري لِما لا أستطيع التفكير في إحداهن دون الأخرى. توأم سيامي استحضرته اليوم بقوة. الأسبوع الماضي كانت الذكرى المئوية لولادة إيتيل التي رحلت في الأيام الأخيرة من سنة 2021.
كنت أرغب دوماً بالكتابة عنهما..غادرتا سوريا ولم تعودا إليها مُجدّداً، ربّما زيارات خاطفة لاحقاً لإيتيل
كيف لشخصية مثل “إيتيل” نالت من التكريم والحفاوة ما نالته ألا يعرفها، لن أقول الشعب السوري، بل اكتفي بأن أقول طلبة فنون جميلة! رحلت “إيتيل”.. لكن اتساءل كيف كان لشعورها أن يكون فجر ثمانية ديسمبر؟
انتبهت في الآونة الأخيرة أن هذا السؤال أصبح ملازماً لي. أنا لا أسأل: “ما رأيك؟”، بل أسأل: ” ما هيّ مشاعرك في تلك الليلة؟” “ماذا أحسست؟” يتملّكني فضول هائل. لا يتعلّق الأمر بالموقف، بل شكل الشعور. ّ لا لم يكن هناك وجه واحد لهذا الشعور في ذلك اليوم. ويستحق منّا الأمر كسوريين أن نُدرج كلمة جديدة كلّياً في القاموس لوصف شعور سريالي لسقوط نظام حكم بلد استمر قرابة نصف قرن
لقد انتهى “الأمر” كمرور سكين في الزبدة كما يقولون! حسناً إذاً يأتي السؤال الذي يتصدّر قائمة الاسئلة وإشارات الأستفهام الكثيرة عن ذلك اليوم. السؤال الحتمي الذي لا مفر منه: طيّب ..كلّ ده كان ليه؟
كان للأمر أن ينتهي بهذه السهولة منذ أمد طويل؟ طيب كلّ ده كان ليه؟
***
إيتيل رسّامة وشاعرة وكاتبة سوريّة. في الحقيقة نصف سورية، والدها سوريّ وأمّها نصف يونانية نصف تركية. أشعر أنّي مدينة لاِسمها المُركّب قبل أيّ شيء حين طالعتهُ للمرّة الأولى على موقع متحف للفنون، فهو ما خلق لدي وافر من الدهشة لأبحث عن صاحبة تلك اللوحات المُبهرة. “إيتيل”! اسم فرنسي يتأبّط ذراع أكثر الأسماء العربية القحّة الأصيلة “عدنان”
لقد وقعتُ في غرامها. تقفّيت آثارها التي لم تُجمع كما يليق بها. لكن كيف لي أن أصف “إيتيل” تلك المرأةُ التي عَرِفتِ الامتلاء كما وصفها “بيار أبي صعب”؟ قادني العجز إلى اللعثمة والسكوت عن الكتابة عنها. ورضيت واكتفيت بأن أزورها مملكة إبداعها اللامتناهية كنوع من الوفاء لها. كما تردّدت إلى صفحتها الفيسبوكية بشكل دوري، مع محاولة تخيّلية لكتابة رسالة إليها بفرنسية لا أُتقنها أو عربية لا تُتقن هيّ قراءتها. لم أتعامل معها على أنّها فرنسية أمريكية لبنانية. لا لم أرى في وجهها سوى دِمشق. الحديث مبتور، والحديث عن إبداع الشريكتين “إيتيل” و”سيمون” أمر، والشعور المُلازم لي بأنّهما منفيتين قسرياً أمر آخر. سوريّا التي تُتقن إطلاق تعويذات لطرد الأرواح الجميلة، قامت بطردِ كليهما بطرق غير مباشرة. اغتربتا للأبد
لكن كيف كان لسوريا أن تبدو مع وجود “إيتيل”، إن لم يكون حضورياً، على الأقل في مناهجنا الدراسية كفنانة عالمية؟ إنّه سؤال مجازي
. بالتأكيد مكان أقلّ بشاعة، وأكثر نُبل
لكن السؤال مغلوط وساذج، والصحيح أن نسأل: كيف كان ليكون إبداعهما لو كانتا في سوريا
***
دعنا نسافر. أحاول أن أجعل هذا الاقتراح يخرج منه، المرأة تتقن فعل هذا دوماً، أن تقرر أمر وتجعل الزوج ينطق بهذا القرار ليبدو كما لو أنّهُ صادر عنه
لكن نطق القرار لا يكفي لتفعيله. الفكرة غدت حاضرة، لكن كيف السبيل لتحقيقها؟
مؤشّر السفر يعلو ويهبط كل يوم كمؤشّر الذهب العالمي. في يوم 6 آذار حين وردنا اتصال من عائلتي حاول فيه أخي أن يجعل صوته طبيعياً وهو يخبرنا
” نفكّر في النزول للأحراش”
!دُهشت
أنا مدهوشة الآن من دهشتي في ذاك اليوم. لم اكتف بالدهشة بل أضفتُ استنكاراً وقحاً لقراره. ” هل أنت مجنون؟ لِما الفرار كما لو أنّك مرتكب جرم؟ أنت الرجل الوحيد في المنزل، زوجتك حامل بطفلها الأول، أميّ وأختي في عهدتك أيضاً، وأنت مدني وأعزل. فيما الهرب؟”
حاولنا نقل الاطمئنان الهش الذي لدينا. هذه دولة وليست شوربة. هل تتخيّل أنّ أحد سيدخل ويقتلك على هويتك؟ هل أنت مجنون؟
قرأت هذهِ الجملة في مكان ما: لقد كان ذنب الذين ماتوا يومها هو شعورهم بالاطمئنان
حسناً مع حلول مساء ذلك اليوم، كان كل ما دعوت الله به، ألا يكون أخي مطمئناً، بل جزعاً بما يكفي لأن يقتاد العائلة بأكملها للاختباء في الأحراش. تلك الليلة والليالي التي تلتها لم أوفّق إلى التواصل معهم هاتفياً.. أُصبت بانهيار عصبي.. تخيّلت والدتي السبعينية تقبع بين أحراش السنديان. كيف تطوي مفاصلها المتألّمة في تلك الليالي الباردة. ما الذي أخذوه معهم كزوّادة. هل كسروا صيامهم قبل خروجهم. تخيّلت زوجة أخي الحامل التي طال شوقها لأن تُرزق بطفل بعد سنوات انتظار طويلة. وهي الآن في شهرها الثامن تطوي ألمها ورعبها
.انجرف نحو خيالاتي التي ولّدتها الفيديوهات المُرعبة ويضيق قلبي بالغمّ
.. يارب ظلّلهم برحمتك
***
تتلمّس السيّدة “م” بطنها الذي ظهر تكوّره بصورة واضحة. لا حوار بين الأم وطفلها كما جرت العادة مع أخوته حين أقاموا في الداخل. تتأمّل صورة الإيكو الملوّنة لا حزناً ولا فرحاً. جنين احتضن نفسه بنفسه، بأصابع مجهرية دقيقة وأظافر تكوّنت هذا الأسبوع- كما يقول تطبيق هاتفي يشرح تطوّرات الجنين الأسبوعية- إحدى اليدين غطّت الأعضاء مانعةُ الأم من معرفة جنس الجنين. أخبرتها الطبيبة أنها قد توفّق في المرّة القادمة لمعرفة جنسه
ربّتت بشكل دائري وغابت في خيالاتها: ممارسة الهروب التخيّلية أخذتها هذه المرّة نحو شرفة مطلّة على البحر، تستلقي باسترخاء على أرجوحة خشبية تصدر صوتاً حاداً جيئةً وذهاباً. الأبواب الزجاجية تلتقط ضوء الشمس اللطيف وتحوّله إلى طيف ألوان ينسكب على ملابسها. تكاد تغرق في إغفاءة لذيذة لكن تنتشلها كلمات أغنية عراقية قديمة لسليمة مراد ظهرت من العدم تُعيدها إلى شرفتها في الحيّ الدمشقي المزدحم بمارّته. يا لبؤس السيّدة “م” حين سمعت: “هذا مو إنصاف منّك”. فبكت
.” هذهِ مو منّك مروّة، لا ولا منّك أصول”
.تخيّلت صغيرها معترضاً على عدالة أن يولد في هذهِ البقعة من الأرض
.هذا مو إنصاف منك.. لا ولا منّك أصول
لطالما آمنت بالتقمّص.. أنّ لي حيوات آخرى مختلفة، وحيوات مأساوية أجهلها
.لكن لم أظّن يوماً أن هذه الحياة هي إحداها. إحدى تلك النسخ المأساوية
كُتب في 30 آذار
دمشق










