Feeds:
Posts
Comments

يا لبؤس السيّدة “م” حين علِمت أنّ ذاك الغثيان والدوار لا علاقة لهما بنظامها الغذائي الصارم. بل جنين صغير “مضغة” ستّتمّ شهرها الثاني قريباً. لم يخطر هذا ببالها إطلاقاً، كانت قد اكتفت بطفليها الصغيرين منذ أربعة أعوام، وزّعت مقتنياتهم من سرير وعربات. وأغلقت باب العلّية على صندوقين ضخمين يضمّان ملابس لهما وألعاب، حيث جرت تقاليد عائلتها أن يحتفظ الفرد لأطفاله بشيء من مقتنيات الطفولة ليرسلوها بدورهم للأبناء
!هه. يا لسعادة ابنائها بهذا الورث الثمين

في الآونة الأخيرة كانت أحلامها الليلية تدور حول الركض بأقصى سرعة نحو طائرة تُحلّق دونهم. لا مطار ولا مدرّج ولا حتى قاعات انتظار. فقط طائرة تتوسط فسحة غير معلومة. الحلم يتكرّر دوماً مع اختلافات بسيطة. لكن المشهد الأساسي يتمحور حول الركض اللاهث مع زوجهّا. يحملُ كلٌّ منهما طفلاً بين ذراعيه
الأمر المشترك في كلّ الأحلام هو أنّ هذه الطائرة تُقلع دونهم دوماً


الطفل الثالث لم يكن في المشهد، لقد جاء بمثابة الفاصل الهزلي الذي يأتي بين فصول المسرحية، إما لتصعيد الشحن العاطفي، أو لتخفيف التوتر الدرامي.  أو كليهما
أصبح الهروب مستحيلاً في الحلم والواقع. هذا ما فكّرت به حين تأكّدت شكوكها إزاء الحمل مع مجيء نتيجة التحليل على الإيميل
“بلا دراما مــامــا!”هذا ما قالهُ ابنها ذو الثماني سنوات حين رأى دموعها تتساقط، في حين قفزت الصغيرة فرحاً لأنّ هناك “بوبو” في بطن الـ ماما

Andrei Tarkovsky's 
Polaroids

المدينة تنضح برائحة عرق وعفن.. وفي زوايا أخرى يلتقط الأنف رائحة لتفسخ بطيء قادم من أكوام القمامة التي تجمّعت منذ أيام. في الساحات والأسواق مشهد جديد وفريد. بضاعة أجنبية متنوّعة تفترش الطرقات، عبوات ماء معبّأة بالبنزين الحرّ، سيارات أو أِشخاص مع لافتات “نصرّف كافّة العملات الأجنبية”
تلك السمات مرئية ولا مرئية في آن معاً. فالعين لم تعد تلتقطها كشيء ناشز بعد مرور فترة قصيرة، بل تحوّلت إلى جزء منسجم مع المشهد العام. عموماً لا شيء ناشز في المشهد العام، فالبلد تتلّقف كل جديد وتهضمه دون عسر. نمشي الهوينى أنا وصديقتي التي تسترسل في مديح شوارع دمشق. تكاد تقبّل الهواء وتحتضنه، تقسم أنّ لا مثيل لهذه المدينة
 المزاج الكالح يحرمني رؤية الجمال الذي حمل معهُ هذه البهجة لها. أليس الجمال في عين ناظره؟
هاجرت صديقتي مع شقيقيها وتركت والديها الذين لم يطل انتظارهم فقد لحقوا بهم إلى البلاد “المتُجمّدة” كما تطلق عليها
!تصيح: كندا قبيحة
يترجم حاجباي دهشتي الساخرة إزاء تصريحها هذا: حسناً لِما فيروز كانت تخشى من الحسد على بيتها الصغير في كندا ذاك الذي لا تريد أن يشوفه حدا

دمشق وشوارعها التي تخلو من أي رائحة للتحضّر المدني. من اللطف أو التناسق. مدينة تذر الغبار في العيون. “حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري”. تستنكر بلطف: لكن على الأقل أزلنا تلك التماثيل البشعة المُرعبة التي كانت مزروعة ككاميرا مراقبة في كل زاوية. سنسترجع إيقاع المدينة الجذاب الذي نحلم به تدريجياً
أكمل دندنتي..
“ما أنتِ والوعد الذي تعدينني. إلّا كبرق سحابةٍ لا تُمطر”

نسارع الخطى لأنّ المساء اقترب. أسألها: هل شعرتِ يوماً أنّ قاسيون يبدو أحياناً مُخيفاً وضخماً؟ ككائن يرمي بثقله وأنفاسه على الحشود أسفله. تستنكر وتصحّح: تقصدين كائن يحضن بأنفاسه وذراعيه الحشود أسفله
!آه.. يا للرومانسية المُغتربين


 نقترب من ساحة الأمويين.  تبدو السماء داكنة وقد تخلّت عن طيف الألوان الوردية من بقية ضوء شمس باهتة.. تمتصّني كآبة المساء ويُترجم حاجباي ذلك دونما أشعر، بدوت كمن يوشك على البكاء.
حاولت أنّ أفكّر كيف تبدو السماء الآن في مكان آخر. هذه المُمارسة القديمة عندي، قلّما تفشل في انتشالي من المشاعر الطاغية اللحظية. أتخيّل نفسي أمشي الآن في أحدّ الأزقّة الموازية لشارع الاستقلال في إسطنبول. لأصل إلى تلك الفسحة السماوية الصغيرة التي تعلو برج “غلاته” أجلس في ذلك المقهى على الزاوية. وأرفع رأسي تلقائياً لأراقب أولئك السيّاح في قمّة البرج. أًصطدم بسماء دمشق ورأس السيف الأمويّ الذي وصلنا إليه. هناك تجمّع لحشد صغير، كان لهم مظهر السيّاح في المواقع الأثرية. التقطوا الصور بصخب هائل. سعادتهم تكاد تكون مُعدية

تُيقظني كلمة ” فلول” من هلوساتي. تلكزني صديقتي: وجهك العابس يوحيّ بأنّي من “الفلول”. تُضيف بأن السعادة هي شعار المرحلة
 لم أمشي في الساحة سيراً على الأقدام منذ زمن طويل، بدت شاسعة للغاية. باغتتني خاطرة لطالما أضحكتني، لكنّها أدهشني أنّها المرّة الأولى التي أٌقولها بصوت مسموع وأنا في هذه الساحة: كيف لشخص عاقل أن يُطلق اسمه بهذه الكثافة الوقحة على مجمّع الأبنية في تلك البقعة الجغرافية الضيقة! دار الأسد، مكتبة الأسد، جسر الرئيس، مشفى الأسد الجامعي، بيت المهندس باسل الأسد
ترن ضحكاتنا عالياً: ألا ترين؟ أليست هذا كفيل بإحياء الرّوح؟
توصلني إلى السيارة التي ركنتها على أحد منافذ الساحة.. الطلقة التي أصابت نافذة سيارتنا الكهلة بدت ثقب صغير غير مرئي في يوم الثامن من ديسمبر، يومها قلت إنّها دمغة أو توقيع هذا اليوم الاستثنائي على شيء من ممتلكاتنا. زوجي رأى فيها فأل شؤم. تجاهلته فهذا طبعه. الثقب المشؤوم تحوّل إلى شبكة عنكبوتية من التشقّقات التي انتشرت وأصبحت تحتّم تغيير الواجهة الزجاجية سريعاً

انتشلتني من تأمّلاتي رسالة وصلت على هاتفي تُعلمني بوصول حوالة مالية. إنّهُ راتبي الذي أتقاضاه بالدولار وهو يتضاءل وينكمش كل شهر حتى بلغ نصفه تماماً في هذه المرّة. تبخّر مرودي المادي لكن في المقابل ليرتنا السورية نهضت.  أليس هذا كفيل أيضاً بإحياء الرّوح؟


Andrei Tarkovsky's 
Polaroids

***

ضمن المشاريع المؤجّلة التي أتقن التفكير فيها طويلاً ومن ثمّ تأجيلها باحتراف لا مثيل له. مشروع الكتابة عن “إيتيل عدنان” ورفيقة دربها “سيمون فتّال“.  لا أدري لِما لا أستطيع التفكير في إحداهن دون الأخرى. توأم سيامي استحضرته اليوم بقوة. الأسبوع الماضي كانت الذكرى المئوية لولادة إيتيل التي رحلت في الأيام الأخيرة من سنة 2021.
كنت أرغب دوماً بالكتابة عنهما..غادرتا سوريا ولم تعودا إليها مُجدّداً، ربّما زيارات خاطفة لاحقاً لإيتيل
كيف لشخصية مثل “إيتيل” نالت من التكريم والحفاوة ما نالته ألا يعرفها، لن أقول الشعب السوري، بل اكتفي بأن أقول طلبة فنون جميلة! رحلت “إيتيل”.. لكن اتساءل كيف كان لشعورها أن يكون فجر ثمانية ديسمبر؟

انتبهت في الآونة الأخيرة أن هذا السؤال أصبح ملازماً لي. أنا لا أسأل: “ما رأيك؟”، بل أسأل: ” ما هيّ مشاعرك في تلك الليلة؟”  “ماذا أحسست؟” يتملّكني فضول هائل. لا يتعلّق الأمر بالموقف، بل شكل الشعور. ّ لا لم يكن هناك وجه واحد لهذا الشعور في ذلك اليوم. ويستحق منّا الأمر كسوريين أن نُدرج كلمة جديدة كلّياً في القاموس لوصف شعور سريالي لسقوط نظام حكم بلد استمر قرابة نصف قرن
لقد انتهى “الأمر” كمرور سكين في الزبدة كما يقولون! حسناً إذاً يأتي السؤال الذي يتصدّر قائمة الاسئلة وإشارات الأستفهام الكثيرة عن ذلك اليوم. السؤال الحتمي الذي لا مفر منه: طيّب ..كلّ ده كان ليه؟
كان للأمر أن ينتهي بهذه السهولة منذ أمد طويل؟ طيب كلّ ده كان ليه؟

***


إيتيل رسّامة وشاعرة وكاتبة سوريّة. في الحقيقة نصف سورية، والدها سوريّ وأمّها نصف يونانية نصف تركية. أشعر أنّي مدينة لاِسمها المُركّب قبل أيّ شيء حين طالعتهُ للمرّة الأولى على موقع متحف للفنون، فهو ما خلق لدي وافر من الدهشة لأبحث عن صاحبة تلك اللوحات المُبهرة. “إيتيل”! اسم فرنسي يتأبّط ذراع أكثر الأسماء العربية القحّة الأصيلة “عدنان”

لقد وقعتُ في غرامها. تقفّيت آثارها التي لم تُجمع كما يليق بها. لكن كيف لي أن أصف “إيتيل” تلك المرأةُ التي عَرِفتِ الامتلاء كما وصفها “بيار أبي صعب”؟ قادني العجز إلى اللعثمة والسكوت عن الكتابة عنها. ورضيت واكتفيت بأن أزورها مملكة إبداعها اللامتناهية كنوع من الوفاء لها. كما تردّدت إلى صفحتها الفيسبوكية بشكل دوري، مع محاولة تخيّلية لكتابة رسالة إليها بفرنسية لا أُتقنها أو عربية لا تُتقن هيّ قراءتها.   لم أتعامل معها على أنّها فرنسية أمريكية لبنانية. لا لم أرى في وجهها سوى دِمشق. الحديث مبتور، والحديث عن إبداع الشريكتين “إيتيل” و”سيمون” أمر، والشعور المُلازم لي بأنّهما منفيتين قسرياً أمر آخر.  سوريّا التي تُتقن إطلاق تعويذات لطرد الأرواح الجميلة، قامت بطردِ كليهما بطرق غير مباشرة. اغتربتا للأبد

 لكن كيف كان لسوريا أن تبدو مع وجود “إيتيل”، إن لم يكون حضورياً، على الأقل في مناهجنا الدراسية كفنانة عالمية؟ إنّه سؤال مجازي
. بالتأكيد مكان أقلّ بشاعة، وأكثر نُبل
لكن السؤال مغلوط وساذج، والصحيح أن نسأل: كيف كان ليكون إبداعهما لو كانتا في سوريا


***

دعنا نسافر. أحاول أن أجعل هذا الاقتراح يخرج منه، المرأة تتقن فعل هذا دوماً، أن تقرر أمر وتجعل الزوج ينطق بهذا القرار ليبدو كما لو أنّهُ صادر عنه

 لكن نطق القرار لا يكفي لتفعيله. الفكرة غدت حاضرة، لكن كيف السبيل لتحقيقها؟
مؤشّر السفر يعلو ويهبط كل يوم كمؤشّر الذهب العالمي. في يوم 6 آذار حين وردنا اتصال من عائلتي حاول فيه أخي أن يجعل صوته طبيعياً وهو يخبرنا
” نفكّر في النزول للأحراش”
!دُهشت
أنا مدهوشة الآن من دهشتي في ذاك اليوم. لم اكتف بالدهشة بل أضفتُ استنكاراً وقحاً لقراره. ” هل أنت مجنون؟ لِما الفرار كما لو أنّك مرتكب جرم؟ أنت الرجل الوحيد في المنزل، زوجتك حامل بطفلها الأول، أميّ وأختي في عهدتك أيضاً، وأنت مدني وأعزل. فيما الهرب؟”
حاولنا نقل الاطمئنان الهش الذي لدينا.  هذه دولة وليست شوربة. هل تتخيّل أنّ أحد سيدخل ويقتلك على هويتك؟ هل أنت مجنون؟
قرأت هذهِ الجملة في مكان ما: لقد كان ذنب الذين ماتوا يومها هو شعورهم بالاطمئنان
حسناً مع حلول مساء ذلك اليوم، كان كل ما دعوت الله به، ألا يكون أخي مطمئناً، بل جزعاً بما يكفي لأن يقتاد العائلة بأكملها للاختباء في الأحراش. تلك الليلة والليالي التي تلتها لم أوفّق إلى التواصل معهم هاتفياً.. أُصبت بانهيار عصبي.. تخيّلت والدتي السبعينية تقبع بين أحراش السنديان. كيف تطوي مفاصلها المتألّمة في تلك الليالي الباردة. ما الذي أخذوه معهم كزوّادة. هل كسروا صيامهم قبل خروجهم. تخيّلت زوجة أخي الحامل التي طال شوقها لأن تُرزق بطفل بعد سنوات انتظار طويلة. وهي الآن في شهرها الثامن تطوي ألمها ورعبها
.انجرف نحو خيالاتي التي ولّدتها الفيديوهات المُرعبة ويضيق قلبي بالغمّ
.. يارب ظلّلهم برحمتك



***


تتلمّس السيّدة  “م” بطنها الذي ظهر تكوّره بصورة واضحة. لا حوار بين الأم وطفلها كما جرت العادة مع أخوته حين أقاموا في الداخل. تتأمّل صورة الإيكو الملوّنة لا حزناً ولا فرحاً. جنين احتضن نفسه بنفسه، بأصابع مجهرية دقيقة وأظافر تكوّنت هذا الأسبوع- كما يقول تطبيق هاتفي يشرح تطوّرات الجنين الأسبوعية- إحدى اليدين غطّت الأعضاء مانعةُ الأم من معرفة جنس الجنين. أخبرتها الطبيبة أنها قد توفّق في المرّة القادمة لمعرفة جنسه
ربّتت بشكل دائري وغابت في خيالاتها: ممارسة الهروب التخيّلية أخذتها هذه المرّة نحو شرفة مطلّة على البحر، تستلقي باسترخاء على أرجوحة خشبية تصدر صوتاً حاداً جيئةً وذهاباً. الأبواب الزجاجية تلتقط ضوء الشمس اللطيف وتحوّله إلى طيف ألوان ينسكب على ملابسها. تكاد تغرق في إغفاءة لذيذة لكن تنتشلها كلمات أغنية عراقية قديمة لسليمة مراد ظهرت من العدم تُعيدها إلى شرفتها في الحيّ الدمشقي المزدحم بمارّته. يا لبؤس السيّدة “م” حين سمعت: “هذا مو إنصاف منّك”. فبكت

.” هذهِ مو منّك مروّة، لا ولا منّك أصول”
.تخيّلت صغيرها معترضاً على عدالة أن يولد في هذهِ البقعة من الأرض

.هذا مو إنصاف منك.. لا ولا منّك أصول

لطالما آمنت بالتقمّص.. أنّ لي حيوات آخرى مختلفة، وحيوات مأساوية أجهلها
.لكن لم أظّن يوماً أن هذه الحياة هي إحداها. إحدى تلك النسخ المأساوية





كُتب في 30 آذار
دمشق

أن تحيا في انتظار دائم

ماذا الذي بوسع المرء فعله عند الانتظار؟ "درويش" أصابه هوس رصد الاحتمالات الكثيرة واللامتناهية. وخًلُص إلى حقيقة أنّ الموت لا يُحب الانتظار. بيد أنّ هذا التفصيل لم يكن ليُنظر إليه كاكتشاف هائل إن أخذنا في الحسبان حتمية الموت
مشهد انتظارنا أزلي ومُحتّم تماماً كتعاقب الشهور والأيام والساعات: انتظار الخروج من عنق الزجاجة، انتظار الضوء في آخر النفق، المهدي المُنتظر بدوره ليخلصّنا من الانتظار. ولأنّ الانتظار أمر حتمي كما الموت، خرجنا بفن منفرد اسمه: "فنّ الانتظار" ذاك الذي أسهب في وصفه الدرويش الفلسطيني. إنّه فن نتناقله عبر شيفرتنا الوراثية. الجد يروي لأحفاده ذاكرته عن أراضٍ مُباركة ذات خير وفير بكروم عنب وبيارات ليمون. في الأراضي بيوت، وللبيوت مفاتيح أُخذت على عجل قبل رحيل ظنّهُ الجّد مؤقت وسريع.
الأحفاد تكبر وتروي بدورها ذاكرة أجدادها عن أراضٍ مباركة ذات خير وفير، وبيت تُرك على عجل. الأجيال تتوالى وتكبر والمفاتيح لم تعد تُحصى. أُطِّرت في صور وزيّنت جدار المنزل كذكرى ودليل على حسن فنّ الانتظار


Image

الحياة تجري في مكان آخر

أدمنت منذ سنوات تصفّح مدوّنة سعودية دأبت على تسجيل يومياتها بصورة شبه منتظمة وقد وجدت فيها عالماً موازياً من المتعة، شيء يُشبه تناول لوح شوكولاتة في السر.
 قراءات متنوّعة، أفلام ومسلسلات، وصفات مُبتكرة لوجبات صحيّة، أنماط معيشة متوازنة. إلى جانب تدوينات تتناول أسفارها الكثيرة. استوقفتني تدوينة بعينها كانت قد كتبتها من وحي حفلة موسيقية حضرتها في آب/أغسطس الفائت وجاء في الوصف عبارة: "لقد انتصرنا في الحرب العظيمة" وعقَبت شارحةً بأنّ هذا المصطلح الذي أطلقه جمهور تايلر سويفت على حرب التذاكر، وأنّ حصولها على التذكرة يعني انتصارها في الحرب

لا ضغينة.. لكن بوسع أي أحد أن يرى التوازن الاجتماعي لوحة سريالية مُمزّقة بصورة صارخة، مضحكة ومبكية في آن معاً، كما لو أن الحياة تجري في مكان آخر ونحنُ هنا نحيا مشهداً مُصغّراً لأهوال يوم القيامة،بروفا لـ جهنّم يُعاد كل يوم إلى مالا نهاية
نرقص كبهلوان على خيط الحياة اللا مرئي، خيط سنوات حياتنا  التي تتسرب دونما إدراك مِنّا نحو المجاري خلال رحلة الانتظار، في حين يرقص آخرون على خيط طابور لا مرئي للحصول على تذكرة حفل ما
لا ضغينة.. فليس من المنطق والعقلانية أن نبتلع العالم بأجمعه في ثقبنا الأسود، ثقبنا نحن -دول الطوق- طوق الكلب المسعور الأجرب الذي حلّ بيننا منذ ثلاثة أرباع قرن
أعودُ مُجدّداً إلى كلمة"حرب"! هل يُمكن لأي إنسان عاقل ألا تستوقفه مليّاً لفظة “حرب" التي وردت في غير معناها؟ أهو ضرب من ضروب الرومانسية المبالغ بها أن أمتلك توقّعات على شاكلة أنّ على بقية الكوكب -على الأقل الشطر العربي منه- مشاطرة إخوتهم شيئاً من همومهم وآلامهم. أن يشغل العالم نفسه بنا لزمن أطول من الوقت الذي يستغرقه مرور خبر سريع في نشرة إخبارية عن حرب تجري في تلك الرقعة التي اعتادت الحروب
على سيرة الحروب..تقترب الذكرى الأولى ل سبعة أكتوبر _كيف نُطلق عبارة: الذكرى الأولى على حرب؟ أتخيّل أن تلك الصبية السعودية ستجد في عبارة "الذكرى الأولى" غرابة كتلك التي وجدّتها أنا نفسي في توصيفها للحرب. لعلّه اختلاف بسيط في القاموس الذي نستخدمه، لكن حتماً ليس من شأنه أن يفسد للود قضية. هؤلاء لم يُخلقوا ليمتلكوا قضية أصلاً

***

الحرب حقل مغناطيسي يلفّ الأجواء هذه الأيام. ألصقتُ زجاج نوافذ غرفة أطفالي مع ستارة إضافية سميكة. في الحقيقة ليست ستارة بل بطانية سميكة ألقيتها فوقّ السكّة المعدنية أعلى النافذة.  في حال نشبت الحرب أو  شيء ما من مٌشتقّاتها: انفجار، قصف، تفجير.. سيكون تناثر الزجاج والشظايا أقلّ وطأة.  لهذا المشهد رجع في ذاكرتي يعود إلى أيام حرب العراق حين طُلب منا إحضار بكرات لاصق ألصقوا بها الزجاج الرقيق للنوافذ الواسعة في صفوفنا المدرسية

الحرب على الأبواب والنوافذ.. هذا ما يتلوه على مسامعنا مقدّموا النشرات الإخبارية، اولئك الذين يمتلكون سِمة موّحدة أيّاً تكن القناة التي يطلّون منها: جميعهم ينضحون فائضاً من السّم. يطلقون على تلك السحنة مُسمّى :"الجدّية" لكن في الحقيقة ليست سوى خِمار يُلقى على ملامحهم الأصلية التي تحمل سيماء القتلة. ينضح السّم من مسام جلد طُلي بمساحيق التجميل، من فروة الرأس من منبت الشعر المسرّح بمادة شمعية لاصقة، من العدسات الملوّنة الماكرة.  تنبح المذيعة بصوت جهوري:  أسعد الله مساءكم بكل خير. وتتلو موجزاً يسلبون فيه كل ما تبقى في أرواحنا من خير


يا لهُ من يوم حزين لم تنشب الحرب فيه بعد

طفلي بأعوامه السبعة، بنوافذ أسنانه اللبنية، يسأل عن الفرع والأصل:  أهو فلم أم أخبار؟ حقيقة أم خيال؟ في النهاية أضجرته النشرة ولم أعد أضطّر لتشتيت انتباهه عند مرور صور أشلاء.  هل اعتاد المشهد أم ظنّه فلم طويل؟ تسحرهُ "خرائط غوغل" حيث تُقطع المسافات بدحرجة إصبع، وتغدو الحدود هشّة ووهمية. الآن بات يستطيع يومياً زيارة مالا يُمكن لجواز سفرنا ومحفظتنا أخذهُ إليه. يختبر بسعادة لا مثيل لها متعة الطيران لأعلى برج خليفة حيث يتأمّل من منصّته ما يظنّه أنّه المشهد الأعلى والأجمل في العالم. لا أقوى على إفساد متعته أو تصويب معلوماته. فليكن ما يشاء
قبل أيام باغتني بإلحاح عجول: أُريد رؤية فلسطين. لقد أدهشني هذا الصغير! لِما لم أشاهد فلسطين من قبل؟
وسط فرحته/ فرحتي أراد توثيق اكتشافه الثمين بالتقاط الصوّر ومن ثمّ أضاف بنبرة مطمئنة واثقة: ليكي ماما وين موجودة فلسطين، تحت الشام شوي، وعندهم بحر متل اللادقية. شو رأيك لما تنقلع إسرائيل نروح نزورها ! مازال صغيري يتهجّا الكلمات، أنى لهُ أن يعرف حجم كارثة أنّ هذه الرقعة الجغرافية على خارطة غوغل اللعينة تُحملُ اسماً آخر
حتى اولئك الذين فقدوا القدرة على الدهشة قد يتلقّون الهزيمة على يد طفل تمتزج لديه البراءة مع الفطرة السليمة التي لم تلوّث بعد. فطرة البداهة التي تقول أن ما سُلب يجب أن يعود. هكذا بمنتهى البساطة
يا لهُ من زمن حزين وطويل وعصيّ على الأماني.. لم أخبره بلواء اسكندرونة الذي اقتطع من الوطن والخريطة في آن معاً. لم أحدّثه عن الجولان أيضاً فهذا كثير على صبيّ السابعة
لكن هلّ تمّت برمجتنا على أنّ الأرض المُحتلة هي حقيقة نهائية ومُحتّمة لا رجوع عنها؟ أنّ المقاومة ضرب من ضروب الحماقة، شيء من قبيل"مغامرات غير محسوبة". ويتوجّب على "العقلاء" التكيّف مع واقعِ كونها محتلّة و تشرّب حقيقة أنّ تحريرها هو "حلم" عربيّ. ولهذا الحلم وُجِدت صناعة تأليف الأناشيد والأشعار، الرّوايات والقصص، الشعارات والمناهج

مؤخّراً قرأتُ نصّاً بديعاً يحمل عنواناً يستحقّ التأمّل:" اسرائيل كيان مصنوع من مواد قابلة للتلاشي".   إنّ كان هذا صحيحاً. فيا لهُ من نهار حزين لم تنشب الحرب فيه بعد


عن عادل ولطيف

. . .

Image
Image

. . .

ضحكته خجولة قد تنتهي بدمعة، ودمعته بيضاء قد تتحول إلى ضحكة طيبة في أي لحظة.

. . .

. . .

لحظة استراحة أثناء تصوير فيلم: رسائل شفهية عام 1991 ..تصوير مجد حيدر

صباح زينة

العزيزة اسماً على مُسمّى..زيـنة 
إن كان لرسالتي من عنوان فخيرُ ما يصلح عنواناً لها: "يا دين النبي أيّه  الحلاوة دي كلّها". لكن كيف بالإمكان إقناعك بما أنا أوشك على سرده لك في السطور القادمة؟
الخميس البارحة كانت الذكرى الشهرية الأولى على تقديم استقالتي من وظيفة زاولتها دهراً من الزمن قضت فيه على القلّة القليلة المتبقّية فيَّ من طاقة وروح وشغف..اليوم الأول لتركي تلك الوظيفة كان أشبه بلحظة تحرير الأسرى، اختبرت فيها سعادة لها نكهة الحرية ومع مرور الأيام أدركت أنّي وقعت في فخ البطالة واللاشيء من جهة، وأنّي فقدت القدرة على الكتابة كنوع من المتعة بعد امتهان الكتابة لوقت طويل بما يتوافق مع رغبات الشركات وأصحاب النفوذ من جهة أخرى..فصحّ فيني القول: " أنا العـاشق السيئ الحظ لا أستطيع الذهاب إليك ولا أستطييع الرجوع إليّ" . سرعان ما تفاقم شعوري اليائس في الشهر المنصرم الحافل بالمآسي ليصل ذروته البارحة
في الظهيرة وصلني ذاك الإشعار المُميز على هاتفي بأنّ هناك "عجقة مرورية" في مدوّنتي.. ابتسمت ومررتِ ببالي يا "صاحبة الظلّ الطويل"، قُلت لنفسي: لعلّها زينة. لكن تلك العجقة لم يكن لكِ دورٌ فيها كما تبيّن لي لاحقاً. الأمر الذي دفعني بخطى ثابتة  للعودة لقراءة تعليقاتك المخفية- استجابةً لرغبتك بذلك- والتهامهِا على دفعات كنوع من طبطبة الروح، رفع المعنويات، وبالتأكيد كاستذكار لابدّ منه بأنّ على هذه الأرض البائسة أرواح جميلة ..مثلك
..اليوم تباغتني رسالتك كنوع من البشارة! تخاطر أعاد لي السكينة وحقنّ أوردتي بجرعة هائلة من السعادة

لن اعتذر عن هذا السرد غير المفهوم والعشوائي الذي بادرتك به. بل سأستطرد كصديقتين قديمتين تستكملان نميمة قديمة مؤجّلة
..العزيزة زينة
أنتِ تدركين تماماً أن " الحركشة" في مدوّنتي كما سمّيتها أنتِ، أمر مُستحب شرعاً، لكن أحزن أنّ لا جديد فيها لأقدّمه كوجبة ساخنة شهية الالتهام، بل غدت كثلاجة ليس فيها سوى لحوم باردة منتهية الصلاحية. دعيني أسرّ لك باعتراف صغته الآن ولم أفكّر به من قبل
لا قدرة لي على الكتابة، لا لعدم وجود المادة أو المحفّز، فالحمدُ للهِ حمداً كثيراً حياتنا حافلة بكل ماهو مثير ومُزلزل.. لكن على مرّ السنوات الفائتة تطوّر لديّ حس هائل بالسخرية، لم يكن لي يد فيه، كل مافي الأمر أنّ كل ما اطالعه يدفع بي بصورة تلقائية إلى السخرية. سخرية مشوّبة بشيء من الحقد..أحزن لذكر الكلمة فهي سوداء مرّة.. لكن بات كل شيء غير حقيقي، ومنقوص، وفيه شيء من الرياء مع رشّة من الكذب والكثير من الثقل، بمن فيهم أنا
نعم لقد وجدت الكلمة " الثقالة" ! أنا لا اكتفي بالسخرية، بل استثقل الآخرين والمواقف والصور والمشاهد، استثقلها واستثقل الكتابة عنها كي لا أنجر أنا نفسي إلى ممارسة السخرية على ذاتي، الأمر الذي قمت به مراراً. فأنا أعلّق على أمر ما ثم أعاود السخرية من نفسي، من كلماتي، من تعليقي. ثم أسخر من سخريتي
أتوقف لالتقاط أنفاس أناملي وأعاود قراءة سطورك وابتسم. يُخيّل إليّ أني قد استرسلت طويلاً كمُسنّة تحادث نفسها في ليل وحشتها الطويل. عذراً عن هذا الهذر  واسمحِ لي أن أشكر لكِ أخيراً رسالتك المعنونة بـِ: "رسالة قصيرة.." فـوفقاً لدرويش: "الجميلات هنّ القصيرات..يُشربن في كأس ماء"
 شكراً لشربة الماء تلك.

3/10/2023

لا جديد منذ ذلك التاريخ يا زينة سوى الحاجة لأصرخ لكِ: صـباحـــك 

Image

اقتضى عملي في الفترة الأخيرة تحرير مقالات الموقع الذي بدأتُ معه كـ كاتبة محتوى، لم تَتم تزكيتي، بدأت بجد أدهشني شخصياً، فالعمل اقتضى الوجود طوال ستّ ساعات، ثلاث منها بشكل متواصل لكتابة نصوص عن مواضيع محددة تحكمها قواعد تجرّد النص من أي لمسة إبداعية، وتضعهُ في مسار تحقيق هدف تجاري بحت

أذكر أنّ إحداهن كانت مسؤولة عن إخراج مقالتي بشكلها النهائي، وكانت تتلذّذ بإعادة المقالة لي المرة تلو المرة كمسودة لأقوم بإزالة جملة هنا وإضافة أخرى هناك بما يناسب هواها ومزاجها. العائد المادي كان مغرياً، لكن بعد مرور أسابيع قليلة قررت أن الوقت قد حان لأقوم بأكثر ما أبرع به في هذه الحياة: ركل الوظيفة وميّزاتها بأقصى قوة وتلذذ، والعودة إلى”الكومفرت زون” خاصّتي

لكن لحسن الحظ رُبّما، لكزني أحدهم، وعدت إلى العمل، لم أكمل الشهر حتى ارتقيت إلى مكان أفضل في السلّم الوظيفي، لاحقاً تركت الكتابة لأتولّى مهمة التدقيق والإشراف على سيرعملية الكتابة وإخراج المقالات لمن سبقني بسنوات العمل. وحين عصفت الأزمة الأخيرة التي أجبرت الشركة على التخلّي عن قسم كبير من كادرها. بقيت

ولكن..حتى اللحظة لا أعتقد أني سأقوى الآن أو مستقبلاً على إعطاء نصيحة واحدة تخصّ الكتابة، لا بل وجدت الأمر أصعب من أي وقت مضى. لكن أشعر أني مدينة لهذا العمل بأنه خلَصني من خجل مقيت، لا بل من “نفاق متلبّس” يحيل كلماتي إلى مديح حين يتعلق الأمر بنص أدبي لشخص آخر

ما أثار شهيتي للتكلم عن الأمر، هو نشر زميلة لي في العمل إعلان عن دورة تدريبية لتعليم كتابة المحتوى. بالطبع منحى تلك الدورة هو تعليم الكتابة وفقاً لشروط محركات البحث والتسويق الإلكتروني، والكتابة الخاصة بالمواقع والمدوّنات، لكن الأمر أعاد لذاكرتي ما جاء في مذكرات الروائي البريطاني “كولن ولسن” في كتابه الجميل: عن حلم غاية ما

حصل في ربيع العام ١٩٧٤ أن تعاقدتُ مع جامعة روتغرز الأمريكية في نيوجيرسي على تدريس منهج الكتابة الإبداعية، وكان ذلك نقطة مفصلية حاسمة في حياتي، إذ سبق لي قبل ثماني سنوات من ذلك التاريخ أن حاولت تدريس الكتابة الإبداعية في إحدى الكليات بولاية فيرجينيا وانتهيت إلى قناعة حاسمة أن هذه المادة عصية على التدريس، ولا يقتصر الأمر على هذا وحسب، بل ويتعين عدم تدريسها بأي شكل من الأشكال! فقد شعرت أن المبدأ الأساسي للإبداع هو القانون الدارويني التطويري القائل ببقاء الأصلح ؛ إذ لطالما رأيت الكتابة الإبداعية عملية شاقة كارتقاء تلة عالية، حيث يتساقط الضعفاء على جانبي التلة بينما يواصل الأقوياء الارتقاء بتمهل حتى يصبحوا كتّابًا جيدين. إن تشجيع هؤلاء الذين يمكن لهم أن يكونوا كتّاب المستقبل عملية شبيهة بوضع السماد في مزرعة تمتلئ بالأعشاب الضارة

.بل ويتعيّن عدم تدريسها بأيّ شكل من الأشكال

.بل ويتعيّن عدم تدريسها بأيّ شكل من الأشكال

.بل ويتعيّن عدم تدريسها بأيّ شكل من الأشكال

!..بحب اسمع الأغاني يلي بخاف يحكيني أو يزورني حدا قبل ما تخلص

Image

كل فترة بيوصل “إشعار” مميز، بنغمة استثنائية”مُخصصة فقط لهالمكان” يلي نادراً ما أدخله

كل فترة بعرف أنه هالإشعار الجميل يلي بسمعه بوقت متأخر من الليل قبل الدخول في النوم الأعلى أو الأدنى أو طور الإغفاءة ماقبل النوم .. مفادها

high traffic in your blog

يعني في رجل غريبة فاتت بشكل مفاجئ على المدونة النائمة، وبلشت تعمل جردة غريبة لكل التدوينات منذ نشأة المدونة وحتى يومنا هذا، مابعرف إذا كان تصفح، بحث، ضجر..بس أنه كل فترة نفس القصة!

كتير نعسانة وتعبانة والشغل لساعات طويلة بيخلي الواحد مايفكر ابدا يكتب رسالة ع الموبايل، فمابالك بتدوينة!

عدا عن كون التدوينة بالعامية! وهذا أمر جلل، وغريب بالنسبة ألي والسبب هو محاولة الدخول بسرعة لكتابة هالكلمتين والسؤال: من أنت يا صاحب الظل الطويل! وما الذي يأتي بك إلى مضاربنا بين الفينة والأخرى؟!

Shakespeare In Quarantine

في منزلٍ بات له رائحة وصمت ديرٍ منعزل، في ظلِّ حَجْرٍ مُبَاركٍ دخلتُ به قبل أشهر طويلة من بدء الحجر الحالي، أغرتني شمس ماكرة بأنّني على أفضل ما يرام، وأنّي قادرة على شنِّ حملة تنظيفٍ على أوكار الغبار المقدّس في المنزل. أوهذا ما اعتقدت

طقس مشمس من شأنه أن يوحي لك بأنّ المزاج طيّب، والصّحة عال. وجرعة صغيرة من الدفءقد تقنعك بدندنة أغنية ما لا تتقن كلماتها، بل ربّما تتمايل بخفّة زائفة دون أن تدري

بدأت عند أرتال المجلدات والكتب، في تلك البقعة من المنزل التي تُجيدُ إشعاري بالذنب لهجرها. أزلت الصور المؤطّرة التي تركت خلفها أثر مدهش يظهر حجم الغبار المتكدّس، حينها فقط، أحسست بحجم الورطة التي أغرقت نفسي بها في عمليةٍ قد تستغرق الأبد بأكمله

فكل زاوية، صورة، ورقة، كتاب تستدعي منّي توقّفاً مطوّلاً، واستحضاراً للذكريات. قراءة ملاحظة هنا، وسطر هناك، زهرة تسقط من بين الصفحات في كتاب ما، وعطر مبهم يفوح من أوراق آخرى

لكن المجلد الضخم الذي كان مقرراً دراسياً طيلة الأعوام الجامعية الأربعة لمادة الشعر، والذي غاب غلافهُ الأصفر تحت طبقة كالحة سميكة من الغُبار أرسلني في غيبوبة
أتوقف عنده مليّاً.. ولدهشتي _أنا ميّ_ من تعاني ذاكرة مثقوبة بشكل واضح تستدعي استشارة طبية على الأرجح! لدهشتي الشديدة أدارت أصابعي بثقة الصفحات الرقيقة للمجلد باتّجاه الصفحة 480، حسناً لقد أخطأت بضعة صفحات، وريثما وجدت ضالتي كنت أردّد بشفاه صامتة السطر المحبّب


Shall I compare thee to a summer’s day
Thou art more lovely and more temperate.

هل أقارنكَ بيوم من أيام الصيف؟
إنّكِ أحبُّ من ذلك وأكثر رقة

هذه “السونيت” الشهيرة لشكسبير كانت أول ما تناهى إليّ في يومي الأول على مقاعد كلية الآداب في جامعة دمشق، قسم اللغة الإنكليزية قبل خمسة عشرعاماً

ما زلت أذكرُ وقت المحاضرة جيداً: الرابعة عصراً، المدرج الثالث في البناء الأول

كُنّا قلّة لا يتجاوز عددُنا عشرة طلّاب نتوزّع عبر مدّرج فسيح تتسلّل شمس أيلول من نوافذه العالية لتسقط أشّعتها بوقع درامي على المقاعد الخشبية الطويلة بلون الماهغوني مُشبِعةً لونها احمراراً


انتقيتُ قمّة المدرّج مع صديقاتي كمنصّة للجلوس والمراقبة من شأنها أن تُشبع فضول أعين نَهمة تذرع المكان في تفحّص فضولي، غارقين في دوّامة من الضحكات العابثة التي لا مردّ لها أو سبب، تتقاذفنا جميعاً مشاعر مبهمة من السعادة لا لشيء سوى أننا ودّعنا الزيّ المدرسي الرمادي القبيح، وحَللنا رباط الشعر المُلزم

كنّا مجموعة من الفتيات اللواتي وضعن مساحيق تجميل للمرة الأولى، وتباهين بأنوثة مُضحكة لفرطِ طفولتها..وسط صخب الحواس المستمتعة بالتجربة الطازجة


يومها أيضاً التقيت بال “كراش” الأول لي، والذي حافظت على إعجابي به لزمنٍ أجدهُ الآن طويلاً، وقد أعجبتُ به لا لشيء إلّا لجمّة الشعرالتي تعلو رأسه بشكلٍ ملفت! كان شعره جَعِداً مُلتفّاً على شكل حلقات اسطوانية طويلة.

في تلك المحاضرة لم يظهر من ذاك الشاب سوى كتلة الشعر الأسطواني الكثيف والتي أعطتهُ لقب:” لفلوفة”، الاسم الذي التصق به زمناً طويلاً حتىى ذلك اليوم حين ظهر في أروقة الكلية وقد ارتدى قبعة قماشية شبيهة بتلك التي يرتديها فتيان البحر، أخفى أسفلها رأسه الحليق
حافظت على إعجابي بفتى الشعر المُلتف-الحليق، وتحيّنت ظهوره لاستمتع بمظهره الغريب الأطوار، المتوّحد


في أحد الأيام، ودون أي مقدّمات، اقترب منّي “لفلوفة” وقدّم لي زهرة حمراء! زهرة دفلة حمراء باهتة لا رائحة لها كانت تنتشر في حدائق الكلّية، وأخبرني بصوت أجشّ لا يشبههُ: اسميّ سامر


يومها تبادلنا حديثاً طويلاً مُضحكاً، بدا معها “لفلوفة” مُتلعثماً خجولاً. وعلى أثرِ ذاك الحديث ودّعت افتتاني به للأبد


لكن في العودة إلى تلك المحاضرة الأولى..والتي لم يتلها سوى عدد قليل من مرّات الحضور
ما أذكرهُ جيّداً أنّي أحرزتُ رسوباً مُستحّقّاً في الفصل الأول..ومجدّداً في نهاية العام لترافقني مادة الشعر إلى السنة الثانية..ثم الفرصة التي تُمنح للمستنفذين كدورة تكميلية في نهاية العام


ما الذي كان يشغل دماغي التفه يومها؟ أن نذرع طرقات الجامعة بصخب دمَغَ تلك السنوات بنكهة فرح حقيقي، ساذج! غريب، ولامثيل له
فرح دائم، مُقيم لا أذكر أن كدّر صفوه همّ. دوامات الضحك الهستيري التي كنّا نغيب بها مترنحين لا لسبب واضح سوى تلك السعادة السيريالية
يومها لم تكن سوريا نجمة أخبار الحروب، لم تظهر طرقات البلاد في نشرات الأخبار، ولا وجوه أبنائها.. لا هموم ولا أحزان سوى ما يحمله اليوم معه

في النهاية نجحت. وفي وقت لاحق تلا التخرج صَادقت شكسبير، آليكسندر بوب، جون ميلتون، كولريدج، ويليام بلاك..صداقة حقيقية لا تشوبها مصلحة
في الحقيقة لقد تخرجت في أحد الأيام، وكنت سعيدة لذلك، ولربّما احتفلت أيضاً، كما لو أن التخرّج هو فعل خَلاص من مرحلة عمرية تُدعى: مقاعد الدراسة
في هذه اللحظة..أحاول أن أذكر بالتحديد متى ودعت تلك السعادة، أقصد متى غابت تلك الثيمة الأساسية في شخصي، ميّ الصاخبة، متى أصبحت فعل ماضي جداً..
وحتى لا يبقى السؤال مجازياً، أقول كإجابة: لا أدري على وجه التحديد

كل ما أذكره اليوم بحسرة، واشتياق هائل..هائل.. هائــــــل
هو ذلك الصوت المنغّم يتردد صداه في المدرّج الضخم يتلو بهدوء

Shall I compare thee to a summer’s day!

النص التّالي لكاتب يُدعى: رامي وفا
بمناسبة أنّني افعلها في الأونة الأخيرة على طريقة “سيّد سالم” وبكثرة

الحادية عشر ليلًا – 1 يونيو 1966

عاد سيد سالم إلى منزله بعد انتهاء بروفات فرقة أم كلثوم استعدادًا لحفل الغد الذي ستغني فيه أم كلثوم أحدث أغانيها (بعيد عنك)، الأغنية من كلمات مأمون الشناوي، وألحان بليغ حمدي، شيئٌ ما يشي بأن تغيرًا يعتمل في داخله ويحاول إخفاءه، يبدو مثل سيزيفيوس في رحلة معاناتِه اللانهائية، ينطبق عليه ذاك التأثير الذي أطلق علم النفس عليه (تأثير البطة) انطلاقًا من أن البطة التي تسبح في النهر تظهر من أعلى في غاية الهدوء، لكنها من أسفل المياه تحرك أقدامها بشدة لتتمكن من السباحة، دخل حجرته مُتعبًا، منهكًا، مُحملًا بأفكارٍ ربما يعجز حتى عن البوح بها لنفسِه، يحاول الهروب منها بالحديث مع زوجته واللعب مع أطفالِه الثمانية ومداعبتهم .. لكن هيهات، هيهات يا سيد

يجلس سيد في بلكون شقتّه، يتناول حبَّتين للصداع، أمامه كوب من الشاي، ينظران لبعضهما كصديقين حميمين لم يفترقا أبدًا، والشاي مُستمع جيد بطبعِه، والأهم أنه ينتهي بعد الحكي معه، كأنك أطلقت ما في نفسك في هوة عميقة لن يصل إليها أحد أبدًا

مونولوج داخلي

أكثر من ستة عشر عامًا يا سيد في فرقة الست، تحفظ كل جملة موسيقية في أغانيها عن ظهر قلب، تدرَّب مع العازفين ساعات طويلة يوميًا لأن (الست) لا تحب أن يستخدم عازفوها النوتة، ولا تحب أن تحدد ما ستغنيه بالضبط في حفلتها القادمة، ستة عشر عامًا من العمل والضوابط والصعوبات والالتزامات، والآن .. من يعرفك؟ من يسمع بك؟ عندما تغني (الست) أغنية فلا داعي لمعرفة شيء آخر غير أنها أغنية الست، ربما يتذكر بعض المهتمين أحيانًا اسم الشاعر أو الملحن ليعقدوا المقارنات بين السنباطي وعبد الوهاب وبليغ مثلًا، كم تتمنى أن تعزف بحرية كما كنت تعزف في صغرك، و(الست) حازمة جدًا وصعب التنبؤ برد فعلها، كم مرة أردت في البروفات النهائية إضافة شيءٍ جديد، لكن خوفك من إغضاب الست وارباك الفرقة أسكتك، كم جملة موسيقية جديدة طرأت إليك في لحظة سلطنة في حفلٍ وقررت إسكاتِها للأبد،إلى متى يا سيد ستظل حبيس نوتاتك الموسيقية؟ متى تتحرر من كل قيود العالم لتقول كلمة أن تريد بحق أن تقولها، كلمة تخرج متى تخرج لكن تشعر في داخلك أنك استرحت لإطلاقها؟ نم يا سيد .. نَم، غدًا ستفعل ما تفعله طوال سنين حياتك، ولا جديد تحت الشمس

2 يونيو صباحًا

يستيقظ سيد سالم، يقف أمام المرآة ليغسل وجهه بعد نومٍ لم ينمه، عيناهُ لازالت تحمل نفس أسى الليلة الماضية، يضبط شاربه وشعره، يفكر في حفل الليلة، تبدأ ذكرياته في التدفق ككرة ثلج صغيرة تدحرج بسرعة، يتذكر نشأته الصعيدية، نايه الأول الذي صنعه بنفسه من الغاب وهو في العاشرة من عمره، يتذكر استنكار والده لأن يهوى ابنه الوحيد الفن والموسيقى، ثم تعنيفه وضربه ليقلع عن عزف الناي، يتذكر هروبه من والديه في الثانية عشر من عمره ليعيش مع خالته في القاهرة، يتذكر الأستاذ شفيق رئيس معهد الموسيقى وأول من آمن بموهبته، يتذكر الإذاعة المصرية وبديعة مصابني ومنيرة المهدية ومحمد قنديل وتحية كاريوكا وغيرهم، ويتذكر يوم تعرَّف على أم كلثوم وانضمامه لفرقتها وهي التي تختار عازفي فرقتها بدقة بالغة، يتذكر شعوره بالفخر آنذاك أمام زوجته وصغارِه، يتذكر ويتذكر .. يغسل وجهه ويخرج ليبدِّل ملابسه

2 يونيو مساءًا : حفلة قصر النيل

يجلس سيد سالم محملًا بصراعاته الداخلية في مكانه المعتاد خلف الست بجوار محمد القصبجي، يستعد العازفون كلٌ على آلته، الأجواء مشحونة ورائقة في ذات الوقت، مشحونة لأن الجماهير العريضة تنتظر الكثير من (الست) وفرقتها، ورائقة لأنها (الست)، تدخل الست ليحييها الجمهور تحية عظيمة منتظرين بشغف ما ستقدمه هي وفرقتها لهم اليوم، ومتى صعدت (الست) خشبة المسرح فإنه يصبح مكانًا مقدسَّا له هيبته ووقاره، وتبدأ ملحمة بعيد عنك بالكمانجات على مقام الكرد وسط صيحات عالية من الجمهور، ليدخل بعدها الايقاع على واحد من مقامات بليغ المفضلة خصوصًا مع (الست) .. مقام البياتي

نسيت النوم ……واحلامه
نسيت لياليه ……وايامه
بعيد عنك …… حياتي عذاب
ما تبعدنيش بعيد عنك

ها قد بدأت اللعبة يا سيد فماذا أنت بفاعل؟ هل لديك الجرأة للتمرُّد ولو لمرة واحدة؟ هل لديك الجرأة لتحمُّل نتيجة تمردك؟ رُبَّما لا يتقبَّل الجمهور زخارفك الموسيقية، لكن الجمهور ينسى، الجمهور في النهاية لا يملك النوتة الموسيقية فلن يعرف بسهولة الأصل من الزخرف، ماذا إذا لم تتقبلها (الست)؟ ماذا لو قررت الاستغناء عنك يا سيد والإتيان بعازف ناي أكثر التزامًا منك على المسرح؟ عازف ملتزم لا يفاجئها على المسرح برقصات جديدة على آلتِه؟ ماذا ستفعل لو التفتت لك غاضبة؟

ماليش غير الدموع احباب
معاها بعيش بعيد عنك

ماذا لو استهجن العازفون الآخرون تفريداتك واعتبروها مراهقة موسيقية متأخرة أو حبًا للظهور ولو على حساب الأغنية؟ ها هي الدفائق تمر وأنت إلى الآن تقوم بدورك كما ينبغي لك .. فلتكتفي بهذا يا رجل، أليس (محمد عبده صالح) قانونجي لم تنجبه ولادة؟ أتظن أنك أفضل مثلًا من (أحمد الحفناوي) أو (عبد المنعم الحريري)؟ أتظن أن نايك أهم من كونترباص (عباس فؤاد)؟ ها هم كلهم ملتزمون بما أدوه في البروفات؟ وها هو الجمهور مستمتع ولن تزيده تفريداتك طربًا على كل حال، إذن لماذا تعكِّر هذا الصفو وتتمرّد؟ ليس ثمة سبب منطقي وحيد لتفعل هذا يا رجل

غلبني الشوق وغلبني
وليل البعد دوبني

إذن ها أنت توثر الالتزام مثل كل الذين عاشوا يتلمسون الحوائط؟ لكن أنت لست مثل أحد يا سيد، أنت الصعيدي الذي صنع آلته من الغاب .. الذي ضربه والده غضبًا من الموسيقى لكنه فضَّلها حتى عن أهله، أنت الفتى الهارب من والديه لتروس القاهرة التي تطحن الكبار قبل الصغار، أنت الذي تمردت على مستقبلك الروتيني، تمردت على أهلك، مررت بكل الصعاب واستطعت تخطيها، أنا لا أصدق أنه أنت الجالس على الكرسي الآن خائفًا من مجرد خروج بسيط عن المألوف؟

ومهما البعد حيرني
ومهما السهد سهرني

ربما لو رآك والدك الآن وأنت خائف من امرأة تغني خلفها لندم أنه لم يقطع يدك التي تعزف بها، ستموت يا سيد ولن يتذكرك أحد، أليس لك الحق أن تفعل ما تريده ولو لمرة واحدة؟ أليس لك الحق أن تعود إلى الفتى الصغير الذي يعزف بجوار الترعة ولا أحد يستطيع أن يُملي عليه ما يعزف؟ أليس من حق زوجتك وأولادك أن تلتقط أذنهم الموجهة للناي دائمًا ولو نفحة صغيرة من الخروج عن النظام؟ ألا يحق لزينب أن تشير لإخوتها هاتفة “بابا أهو” ؟ ألا يحق لك أن تنتزع صيحة واحدة من الجمهور يتذكَّرك بها؟ ماذا تنتظر يا سيد؟ ماذا؟

لا طول بعدك يغيرني
ولا الأيام بتبعدني بعيد عنك

لم ينتظر سيد سالم كثيرًا، فعلها الرجل كما يجب أن تُفعل بالضبط، خرجت تفريدته من قلبه، من روح روحِه،خرجت قوية من صعيديته التي لم يتخلى عنها أبدًا، خرجت صادقة من الطفل المُعاقب دائمًا على عشقِه للناي، خرجت متمرِّدة من منزل خالته في السيدة زينب، خرجت واثقة من معهد الموسيقى وتوجيهات الأستاذ شفيق، خرجت كقبلة على جبين زوجتِه وأولاده، وكقنبلة للسائرين على الدروب المحفوظة في كل زمان، الآن تستطيع أن تنام يا سيد، تستطيع أن تعوَّض أرق الليلة الماضية، اطمئن، فقد عاشت تغريدتك لليوم، عاش سؤال الست بإعجاب “إيه ده؟”، عاشت صيحات جمهور سينما قصر النيل وأنجبت صيحات جديدة من أجيال لم ترها عينك، وها أنا أكتب عنك ولك لعل صيحتي تصلُك وتطمئنك أنك فعلتها بأفضل طريقة، وصدِّقني إذا طلب أحدٌ مني نصيحة في الحياة سأقول له (فقط افعلها .. على طريقة سيد سالم)

هذا النص مأخوذ من قُصصات متعدّدة،كُتبت على مدى عام“رسائل إلى تيم”.جُمعت وتمَّ نشرُها في موقع الجمهورية تحت عنوان: عن وحش يُدعى الكآبة

.

سيمضي وقت طويل قبل أن أتلمّس مرّة أخرى تلك الابتسامة التي طالعتُها ذات حلم

يومها، رأيتُ في ما يرى النائم صبيّاً يوسُفيّ الحُسن، تنقط قسماتُ وجهِه طيبةً ورقّة، يتكلّم بعينيه الباسمتين ويُومئ لي برأسه حتى كاد قلبي يذوب لفرط حلاوته
حينها استيقظت دامعةً لشدّة تأثّري، وخاصمني النوم ما تبقى من الليل
كان يؤلمني مجرّد التفكير بأني لن أرى ذلك الوجه مرّة أخرى. أغمض عينيّ لأقبض على ملامحه، وتتلمس أصابعي في الفراغ قَسَماته المليحة، لعلّي ألقاه يوماً ما حتى في المنام

تمرُّ الأيّام دون أن يزورني ملاكي الجميل. في الحقيقة، زواري كانوا كُثر: الأرق، الحَرقة، ضيق التنفّس… ومنّ لفّ لفيفهم من زوّار الحوامل في الأشهر الأخيرة. ومع مرور الوقت، غابت ملامحه الجميلة في طيّ النسيان، وباتت الرؤيا كذكرى ضبابية تداعب القلب وتقنعه بابتسامة لا يجد لها مردّاً أو سبباً

***

كان ينبغي على الأمور أن تسير بطريقة مختلفة. أعددت لها لتكون كذلك. لكنّ يداً ما خلطت الأوراق وجعلت عاليَها سافلها. كأن يحلم المرء طويلاً بشيء منتظَر فيغدو كابوسَه الذي لا استيقاظ بعده

بين ضفّتي العمر؛ 1987 ولادتي أنا، و2017 ولادة الرّوح، ثلاثون عاماً. أعتقدُ الآن جازمةً أنّها كانت بمثابةِ رحلةِ انتظار لذلك التاريخ: 6/6/2017

أنا هنا، «ميّ»… أزرق اللون، جراء الحبل السرّي الذي التفّ كعِقد حول عنقي..
أنا هنا، لا رغبة لي بالبكاء! فلِمَ تبكين أنتِ؟! انخرطت في بكاء طويل عميق. أنا التي دخلت برداء العمليات الأخضر قبل دقائق. تدندن ألحان أغنية مع طبيب التخدير. تخبرُ طبيبتها بحديث أشبه ببوحِ عاشقة عن كمية الحب الذي تُكنّهُ لها. تشعر بفضاء غرفة العمليات الشاسعةِ الأرجاء، القاتمةِ البرودة؛ جزيرة ساحرة اكتشفتها للتو… وتحذوها رغبتُها في الرقص لاعتلاء المنصّة، لولا أنّ وزنها الذي قارب وزن مصارعي الساموراي يحول دون ذلك
سُعالٌ خافت. لا بكاء أو صراخ. في تمام التاسعة والربع، صباح السادس من حزيران سُعالٌ خافت ارتجف لهُ القلب، ومن وراء الحُجُب القماشية التي أحاطت بي، أَطلّ النور؛ نورٌ على نور؛ ليس كمثله نور
كان على التجاربِ أن تتراكم، وعلى الخيبات أن تأتي وتزول ليأتي غيرها، وعلى الأفراح أن تنفجر كألعاب نارية خاطفة لتَحين تلك اللحظة وتُسِرَّ لي الحياة بأقدس أسرارها؛ لأدرك أن ولادتي كانت في تلك اللحظة الذي سمعتُ فيه سعالاً خافتاً أشبهَ باستئذان دخول. لا بكاء ولا صراخ، وكأنما نحن على موعد

!عن الفرح حين يصادق الكآبة

توقّفت عن الكتابة منذ زمن طويل..
الوقت عدّاء سريع، ماكر وخبيث. اليوم لفتني هاتفي بشحن 1% شعرت أني لست سوى هاتف غَفَلَ أصحابه عن شحنه. أنام ببطارية فارغة تماماً، تعمل حتى الرمق الأخير، وأستيقظ بشحن بسيط لا يتجاوز 10%. ويتعيّن على هذا الرقم الضئيل أن يُعين صاحبته حتى نهاية اليوم غيرِ الواضح البداية أو النهاية
أخجل أن أعود للكتابة إليك بهذا النفس المتذمّر، إلا أنه يتوجب عليّ أن أكون صادقة تماماً
في يدِ طفلي الصغير مفاتيحُ الليل والنهار، وتحت قدمه المحبّبة تُطحن مشاريعُ وأفكار، ليعود ويشكّلها بمزاجه الخاص ورغباته البهلوانية
متعَبة جداً، مرهَقة جداً، وغضوبة جداً جداً. أكاد أحطّم الأشياء بقبضتي، وأهوي للأسفل، أما هو فهناك، جميل للغاية، ومُضيء كشجرة ميلاد
لا أحد في الجوار؛ وحيدة تماماً. حتى الموسيقى تخلّت عني إلا من بضع أغانٍ للأطفال تدور باستمرار

!لكن من أطفأ النور

!«كآبة»

!كانت الكلمة تُنطق بدهشةٍ يشوبها استنكار

«عيب! شو هالحكي. شوفي هالوجه: متل البدر»

كان الأمر أشبه بأفعوان يجري بسرعة خيالية من ذروة شاهقة نحو الأسفل. يومي الأول معه قَضَيتُه متيقّظة بأقصى ما يمكن للمرء أن يتيقّظ، رغم أنه لم يكن بقربي معظمَ الوقت. الإندورفين يرقص الدبكة جنباً إلى جنب مع الدوبامين، والأدرينالين يقف على الأول
أسترجع ذكريات الولادة، اللحظة الأولى، وجهَه الحبيب الذي أُبعد عنّي لأنال الراحة. أترقّب الصباح لأحتضنه بألف ذراع؛ اللحظة التي انتظرتها طويلاً. لكن تسعة شهور وليلة من الانتظار كانت هي سكّة الأفعوان الصاعد، ومع طلوع الصباح كانت المركبة تستعد لهبوطٍ هادر نحو الأسفل
عشرات المجلّدات عن تربية الطفل، وتغذيته، وسيكولوجيته. الكتب التي تروي رحلة انتظار المولود، والإعداد والتحضير لقدومه… جميعها تبخّرت عند المواجهة الأولى حين
غيّرتُ حفّاضه المتّسخ أوّل مرة
أيّ عجز ألمّ بي أمام الجسد الوردي البالغِ الرّقة! العنق الطّري غير القادر على الاستقامة، الأطراف الغضّة، والأصابع المُغرِقة في الصِغَر والظرافة في آن معاً. كيف لي أن أحمل هذا المخلوق الملائكي الهشّ دون أن أخدش الهواء المحيط به

يرنّ صوت صديقتي الخبيرة، أم الثلاثة أطفال، في رأسي: «المولود الجديد لا يفعل شيئاً سوى الأكل والنوم». كانت الجملة من حيث المبدأ صحيحة. لكنّ الخلل يكمن في التوقيت، فلا الليل ليل عنده، ولا النهار نهار

الكائن الصغير، بوزن ثلاثة كيلو غرامات، يحكم المنزل بقبضة ملائكية، يَسُنّ القوانين بصرخة واحدة تنِدّ عنه. صرخة واحدة، أشبه بأنينٍ خافتٍ لعصفورٍ جائع، كفيلة بإعلان الاستنفار العام: «يا قلبي جوعان!!». تلتمّ الأسرة حولي، حول الوليمة المنتظرة لقرش البحر. تظهر لِثّته الوردية الخالية من الأسنان تتحيّن الإطباق على وجبته

***


أذكر جيداً تلك الأيام، أذكر كل تفاصيلها، ويعاودني الألم الحارق كما لو أنّه وليد اللحظة

كان صيفاً مبكّراً، أو لعله الجهد المبذول في أخذ وضعية الرِّضاعة المناسبة، هو السبب في شعري المبتلّ دوماً وأطرافي المتعرّقة. أُغلِقت نوافذ المنزل وأُسدِلت الستائر منعاً لدخول كل ما يمكنه الدخول… حرارة لا تناسب المولود، هواء الشارع الملوث، بعوض، حشرات… لكن ضجيج الحياة الصاخبة كان يتناهى إليّ، أنا البعيدة عن كل شيء إلّاه. الكائن الصغير العاجز عن شرب الحليب لسبب ما
أمي بقربي تبلّل جبيني بمنديل رطب، وتمسّد رأساً أَوشَك على الانفجار، فيما أنا أستجمع طاقةً كادت تنفَد أو نفِدت. أكاد أُجن؛ كيف لي أن أساعده في تناول الوجبة الوحيدة التي يمكن لرضيع تناولُها: حليب الأم
لكنه كان عاجزاً عن التقام صدري، وحين ينجح، يطبق كفَكَّي كمّاشة متسبّباً في أكثر الأوجاع التي اختبرتُها في حياتي إيلاماً
لم يكن الألم الذي عايشتُه، والذي يعادل ألم الولادة أو أكثر، هو ما يثير دهشتي اليوم. بل محاولتي كأُمّ أن أكتم الألم لأسمح لطفلي الذي نجح في ارتشاف الحليب أخيراً أن يستزيد، وإن كان في وضعيته تلك يرسلني في غيبوبة من الألم

حاولت مراراً. استعنتُ بممرضات وأطباء، حاولوا تعليمي الطرق الصحيحة في الإرضاع. توصلت أخيراً إلى شفط الحليب من صدري لتقديمه في زجاجة
بدت الأمور أسهل مع ذلك الحل المبتكر. شعرت أننا قد توصلنا إلى اتفاق غير معلَن يُرضي الطرفين، لكن الأمر لم يدُم سوى أيام. اكتشفت متأخّرة أن آلية سحب الحليب كانت لها شروطها التي لم أُحسن تنفيذها وهذا ما حصل
أذكر غيبوبة الحُمّى التي دخلت بعد عشرة أيام على الولادة. أصرخ عالياً وأهذي بكلمات غير مفهومة لأغيب مجدداً في هلوساتي. حصل الأمر على حين غرّة. لم يكن لدي احتياطيٌّ من الحليب في زجاجات الرِّضاعة، وقد خرجت عن الخدمة وطفلي جائع. يتناهى صوته ضعيفاً واهناً فيضاعف ألمي وعجزي.
كان التشخيص التهاباً حاداً ، عُولج بالأدوية، ليَغيب أسابيع ويعود بشراسة وقوة تحت مسمّى آخر: خُراج يستدعي تدخّلاً جراحياً عاجلاً
وهكذا طُويت رحلة الإرضاع الطبيعي للأبد

*****

ويسألونك عن الكآبة! قل لهم: بطّانية سوداء كبيرة، نسيجها شائك، تُلقى عليك فتَمنع عنك النور والهواء. ترزح تحت ثِقَلها شهوراً طويلة، لكن لا أحد يقوى على إبعادها عنك
لم أكن أدرك ماهية ذلك الشعور إلا بعد مرور أشهر على الإنجاب، تحديداً في اليوم الذي عبرت به بوابة الثلاثين. ذلك الشعور بأنّي قد خلّفت وراء ظهري عشرة أعوام، يقال إنها الأجمل والأكثر عنفواناً. والسؤال الوحيد المُلحّ: ما الذي قد أنجزته؟
يومها بدا السؤال وقوداً لنار كانت قد شبّت في داخلي. عبثاً أحاول البحث عن إنجاز مُرضٍ، فلا يظهر في الأفق سوى مزيج من الإنجازات لأم ابتكرت خلطةَ شوفان وفواكه لفطور طفلها. إنجازٌ آخر تلخّص في تمكّنها من اجتياز عدة وعكات صحية للطفل بدون استخدام مضادّات حيوية… والكثير من الأشياء المشابهة المتعلّقة بالتغذية والتنظيف والطهو
هكذا تتسرب الأشياء بانسيابية مذهلة، لتتحول في النهاية مشاريع، ظننت أنها مؤجلة فقط إلى سراب
اليوم حين أفكر فيما جرى، أشعر باستغراب: كيف لم أطلب المساعدة؟ أقصد المساعدة لتخطّي النفق المظلم غيرِ واضح النهاية، لنفض الغطاء الخانق الذي أحاط بي من كل جانب

***

كنت قد قرأت عن كآبةِ ما بعد الحمل. ظننتُها أشبه بالكآبة التي تنتاب الجميع؛ شيئاً كالمزاج السيء في يوم ماطر، أو الرغبة الخرافية في التهام الطعام
لكن كآبة الأم أمر مختلف، فهي تلمُس في قرارة نفسها التناقضَ المؤلمَ بين جمال الكائن الملائكي الذي ينام بقربها كلَّ ليلة وبين غرابةِ ما يعتمل في صدرها. ويتحول فرحها بالمولود الجديد بعد أن صادق الكآبة والتصق بها كتوأم سِياميّ إلى حزن عجيب
أخبرت زوجي عن المسمّى العلمي لما أشعر به. لم أدخل في التفاصيل. قلت بوضوح: «إنّها كآبة ما بعد الحمل. هكذا يُطلقون عليها

:ما زلت أذكر الملامح التي اكتسحت وجهه؛ مزيج من الدهشة والاستنكار

أنا لا أؤمن بشيء يدعى الهرمونات. أنتِ ضعيفة فقط. وأخشى أن تورّثي ابنَك ضعفَك هذا

في أحيان أخرى، حين كان يصطدم بالـ”ملامح البائسة” كما يحلو له أن يسميها يخبرني أن هذه الأيام ستمضي وأني سأشعر بالندم لأني سمحت للترّهات بأن تحرمني حقّ الاستمتاع بما لديّ
استجمع قواي لأنفض تلك «الطاقة السلبية» – هكذا تبدو للآخرين – لكن سرعان ما ينتهي بي الأمر في نوبة بكاء جارف؛ خوف غير مفهوم، رُهاب الخروج، رُهاب لقاء الآخرين. وفي نهاية اليوم ألم هائل لأنّي لست الأمَّ التي خطّطتُ أن أكونها ذاتَ يوم

..لأنّ الفشل كان صديقي

لا تحضيرَ مسبقاً لما قد تواجهه أيّة أمّ. لا مراكز ولا أطباء. نحن نُترَك لاحتمالات قدَرَنا المفتوحة. التوقّعات بأن لكل أم عائلةً كبيرة ستتلقّاها لتحتضنها؛ سيأخذون الطفل عنها، وستنعم بالراحة في الأشهر الأولى؛ ستكون هناك حفلات استقبال هنا، ومباركة هناك؛ الكثير من الفرح والسعادة والصور الجميلة في الألبوم العائلي وعلى جدران المنزل… هذا ما نتوقّعه، لكن هذا ليس دائماً ما تؤول إليه الحال
ما زاد وحشتي وألمي موجةُ الأمهات الجدد، التي راجت مؤخراً وبكثافة غريبة. صفحات على مواقع التواصل لأمهات جدد يشاركنَ تجارب أمومتهنّ الأقرب للمثالية

في البداية كان الأمر أشبهَ ببَوح لطيف لأولئك اللواتي يعِشنَ التجربة للمرة الأولى، ويشاركنَها على الملأ. بدا الأمر كصدى لصوتي المتألم. «أها! إذاً هذا يحصل معها هي أيضاً!». أشعر باطمئنان. إذاً لستُ الوحيدة التي لم تنل قسطاً من النوم لَيلتَينِ مُتَتالِيَتَين

لكن مع ازدياد المتابعين و«المبايعين» للأم المثالية تنسلّ بهدوء ومكر من خانة أمّ تحيا تجربة طبيعية تمرّ بأطوار صعوداً ونزولاً إلى أم آمرة وناهية، مستنكرةً حيناً وشاجبةً حيناً آخر لكلِّ فعل لا تراه مناسباً من وجهة نظرها
لقد أصبحَتْ مدرسة في حد ذاتها، تأتي إليها جموع الأمهات يتلمّسن الإجابات عن أسئلة تبدو لها سخيفة ومكررة وساذجة! تَسُنّ قوانينَ تدّعي أنها تناسب حالتها، لكن دون أن تدري أنها تُدرِج قوانينَها الخاصة في كتاب ضخم تحت عنوان «ما يجب وما لا يجب». وفي الضفّة الأخرى، نقبع (نحن) الأمهات اللواتي ترسّخ لديهن شعور بأنهن لن يَكُنَّ يوماً على قدْر التحدي

حتى اليوم ما زالت جملة إحداهن ترِنّ في ذاكرتي، وأضحك كيف جعلتني أبكي طويلاً بحُرقة
كانت تقول أن ليس هنالك من سبب وجيه واحد يجعل أمّاً تتخلى عن حق طفلها الطبيعي في الرِّضاعة سوى الأنانية
حقّاً!؟

*****

6/6/2019

الأيام تتلاحق بسرعة مدهشة..

أعيد التسجيل الصوتي لنبضات قلبِ جنينٍ لم يتجاوز عمره أسابيعَ مرّاتٍ عدّة. تلك الدقّات كقرع طبول إفريقية أرسلتني في إغماءة لذيذة لسعادةٍ عاشتها يوماً صبية تختبر شعوراً فريداً من نوعه للمرة الأولى. تتحسّس بطنها الذي لم يتكوّر بعد، وتتحرّى حركةَ جنينِها، وتتساءل بشوق عن جنسه
عشتُ لحظات من السعادة، وأخرى اختبرتُ فيها حزناً مقيماً بطعم لاذع
فشلت حيناً، ولمَست السماء في أحيان أخرى
لكن شريك تلك اللحظات جميعِها أَتَمّ عامه الثاني قبل أيام
قلبُه الصغير يرسم ملامح حياة قادمة مختلفة. قلبٌ صغيرٌ لم يخطفه هوى أو يعصفْ به وجْد أو يُلمَّ به شوق بعد. قلبٌ صغيرٌ غضٌّ لا يشتدّ وَجِيبُه إلا من خوف أو ألم أو جوع، أحمله داخل قلبي وأستودعه في قلب الله