أوقفتنى عجوز امريكيه , وقد عرفت ذلك من لكنتها , معها منشور عن القصر الغرناطي , تسألنى عن معنى كلمة ” لا غالب الا الله ” .. شرحت لها معنى الجمله ولكم كانت عصيّة على الشرح , فالجمله لا تنفصل عن عقيده كامله .. فمن يؤمن بأن “لا غالب الا الله” حتما ومؤكد يجب ان يؤمن بالله .. وهنا كانت الصعوبه .
قال تعالى ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ألأيه .
نمت مبكرا في تلك الليله , فقد أخذت غرناطه كل طاقتي , واستنفذت قدراتى … فيما كان ابو طياره ورفاقه في الغرفه المجاوره يتسامرون ..
كانت ميزانية الرحله في جيبي , وقد كنت المسوؤل عنها , وفي كل ليله وقبل ان أنام , اعيد حساب ما أنفقناه , ثم اقسّم الباقي على باقي الايام وأخبرهم عنه , لكنهم لم يكونوا يهتمون لذلك , بل انهم أحيانا ينزعجون من حساباتى وخصوصا أبو حزام .. يريد ان ينام , وأريد ان احسب فيظطر للتحزّم بالصبر ريثما انتهى وأقفل النور ..
كانت تشغلني الهدايا الذي يتوجّب عليه شرائها .. دخلت الى محل لبيع الشنط , فأشتريت شنطه لوالدتى , ثم لخطيبتى ( في وقتها ) , ثم لاخواتى , ثم اننى لم اقبل بأن اترك زوجة آخي الأكبر والتى هي بمثابة أختى , فاشتريت لها , ثم انني احسست انه من المشين ان اترك زوجات اخوانى الاخريات فأشتريت لهن .. فخرجت من المحل بحموله قوامها أربعة عشر شنطه .. احسست وقتها بالراحه لكوني قد انتهيت من شراء الهدايا من محل واحد , وأن الهم قد انزاح ! .. لم تكن الفكره سديده فقد أخذت ام يارا في خاطرها لكوني لم اميّزها بشي عن الباقين .. لم أكن أعلم الا بعد فوات الاوان , ماجعلنى اقوم بتعديل الوضع بأضعاف قيمة الشنط مجتمعه !..
تفوت المرء احيانا بعض التفاصيل الصغيره , تكون صغيرة بالفعل لكنّ أثرها في القلب عظيما ! .
على حين غرّة من الليل جاع اصدقائي حين رأوا أعلانا تلفزيونيا لمطعم ذو فروع متعدده يعلُن عن البيتزا , فنقلوا الرقم من الاعلان واتصلوا بالمطعم .. لم تكن فكره سديده أذ أن الارقام التى نقلوها كانت لفروع في اشبيليه كما يبدوا , والاخوه في غرناطه وبينهما اكثر من ثلاثمئة كيلو متر بين المدينتين !! ..
كان ابو طياره يتحدث معهم فأذا يئس من أفهامهم , يأخذ الهاتف ابو حزام وبدوره يعطيه لابو كليه .. بعد جهد جهيد وبعد ان اشترك الثلاثه بتجميع ما يملكون من مفردات انجليزيه فهم صاحب المطعم ما يريدون , فأعطوه العنوان كما وجدوه في غرفة الفندق ..
واضح ان موظف المطعم قد رق قلبه لرفاقي فاتصل بفرعهم في غرناطه ونقل ما طلبوه , وبعد ساعه كان الطلب امام غرفتهم !!
كانت البيتزا حديثنا في الصباح فعندما رأيت البيتزا عجبت لهم , وزاد تعجبى من أصرارهم عليها ومافعلوه لأجلها ..
تحرّك بنا الباص بعد أن دسست بفمي قطع من تلك البيتزا اللذيذه , لا داعي للقول انها منذ البارحه , وأنها بارده , وانه فطور! كانت الاوضاع كذلك وهي كما ترونها .. فمن أراد التعليق على المفجوع فله الحق بذلك!!
آلي كانتى ..
توجهنا باكرا الى الشرق من أسبانيا , الى مدينة ( آلى كانتى ) .. سميّت المدينه بهذا الاسم لحادثه غريبه وهي كما سمعتها مشافهه في أسبانيا .. فقائد الجيش في عهد الفتح الاسلامي كان اسمه ( علي ( وقد كان يغنّي وهو مقبل على المدينه , كلمة غناء باللغه الاسبانيه القديمه ) كانتى ) .. لست متأكدا من خبر الغناء لعله كان يشند الاشعار او يكبّر الله .. فهرب الناس عندما سمعوا بمقدم جيش علي وهم يقولون علي يغني !! فصار اسم المدينه (آلي كانتى ) ..
كانت المدينه ساحليه ولها شاطئ يعج بالناس , أكوام من اللحوم البشريه المتكدسه على الشاطئ , تنفر منها النفوس السويه , وتعافها الفطره النقيه ..لم اتجه الى الشاطئ رغم انه قريب جدا , ويستطيع البصر أدراك ما يحدث فيه .. لم يعجبني الوضع برمته , فأنا وأن كنت أمر مرور الكرام أحيانا ومرور اللئام أحآيين آخري الا انني لا احب هذه المناظر الغارقه بالدونيه .
أتجهت الى عكس الشاطئ وقد اشغلت نفسي بتحميض الافلام التى صورّتها عند رجل صيني , تحدثت معه بأحاديث مازالت الذاكره تحفظ بعض منها .. كان رجلا وديعا جدا , سألته عن المدينه ومافيها , كان رجلا كريما جدا .. ليس بتقديمه ألبومات لحفظ الصور بشكل مجاني , وأنما بشرحه الوافي عن مافي المدينه من معالم وأثار .. لم يكن فيها ما يجذب الباحث سوى بعض الجدران والكنائس التى كانت فيما مضى مساجد يذكر فيها أسم الله .. وهذا شائع في الاندلس ولم يعد ذي بال ..
هنالك تقليد في قضايا المزارعين , مأخوذ منذ قديم الازل ..
ففي يوم الجمعه يأتى المزارعين المتخاصمين للكنيسه فيخرج القس طاوله ومقاعد الى خارج الكنيسه ثم يحكم بين المتخاصمين ولا يقبل الحكم النقض ولا التأجيل او الاستئناف ..
هو في الحقيقه مأخوذ من المسلمين .. فلما كان المزارعين من نصاري الاندلس , تحرّج المسلمين من دخول النصارى الى المساجد ليعرضوا مظالمهم وقضاياهم .. فقام المسلمين بأخراج طاوله ومقاعد الى خارج المسجد ليحكموا بين غير المسلمين وينصفوهم من أذى المسلمين وغير المسلمين !.. وهذه لعمري هي طريقتهم في الحياه التى تنفر من الظلم وتدعوا الى العدل والمساواه ..
عندما خرجنا من آلى كانتى , قالت لنا روثيا بصوت عالى , انظروا التى تلك التله !! , هناك , هناك في الاعلى .. نظر الجميع اليها .. فقالت : هنا كانت آخر نظره ألقاها آخر ملوك العرب عند رحيله من الاندلس .. كان ( ابوعبدالله الصغير ) آخر ملوك العرب ينظر الى دولته وهو يودّعها من تلك التله التى تشرف على مملكته .. بكي عند تلك التله كثيرا , وقفت امه امامه ثم قالت قولتها المشهوره .. ( أبكي كالنساء ملكا مضاعا لم تحفظه كالرجال ) .. دوّن التاريخ هذه الجمله , وطارت بها الافاق .. حكُم العرب الذي امتد لقرون ضاع نتيجة أطماع وخلافات ابو عبدالله الصغير ضد عمه ( الزغل) .
كانت التله هي آخر ما يمكن ان نشاهده من ما تبقّى لنا , وقد كانت اسوء ما شاهدناه ..
بنلسيه ..
مضت سبعة أيام منذ خروجنا من مدريد العاصمه , وقد وصلنا الى “بلنسيا ” صباحا , كان يقول المسلمون قديما ان في بلنسيه خير أهل الاندلس .. أضيف .. ان بلنسيا مدينة جميله جدا , كما ان الطريق اليها كان مليئا بالقلاع القديمه ..
لم يكن شي ذي بال في هذه المدينه , فكلما اتجهت شمالا تجد نفسك تنفصل عن الجو العربي وتكون اكثر قربا من الحضاره الغربيه ..
برشلونه ..
خرجنا من بلنسيه في اليوم التالى دون ان نحدث أمرا , بينما كانت برشلونه على موعد معنا ..كان دخولنا للمدينه مساءا , ومباشرة أخذتنا المرشده الى جبل يعلوا المدينه , تستطيع ان تشاهد المدينه بأكملها من قمة ذلك الجبل .. كان منظرا رائعا وجميلا .. برشلونه عروس اسبانيا , وثاني اكبر المدن بعد العاصمه .. قلما تجد أثرأ اسلاميا بها , فخروج المسلمين منها مبكرا أفقدها ميزة احتضان الحضاره العربيه ..
في اليوم التالى , كان مخططا لنا ان نسير الى معبد روماني قديم. يبدوا أن اصدقائي قد ملّوا من الاستيقاظ مبكرا , فأخبروني بأنهم لن يذهبوا معنا ..
خرجت مبكرا وركبت الباص متجهين الى المعبد , كنت وحيدا في تلك الرحله ..
تعرّفت على رجل وزوجته أمريكيان من أصول اسبانيه .. سرنا سويا في المعبد نتبادل الاحاديث , وبعد خروجنا قال لى الرجل متعجبا : أأنت هنا لوحدك ؟!
قلت لاء .. لدي رفقه ولكنهم لم يتشّجعوا لزيارة هذا المعبد.
الوحده بالسفر غربة آخرى ..
أخذنا في برشلونه يوما كاملا , زرنا فيه الشارع المطل على متحف (بيكاسو ) الرسام الشهير , أنه واحد من أشهر مزارات المدينه , وبه عدد كبير من الرساميين المتجولين ..
فيما بعد طلبنا من رسّام أيراني الاصل , ان يرسم كل واحدا منّا على حده .. قلت له : نريدها رسومات كاركاتوريا .. بمعنى آخر , أن لا يرسم احد منّا وهو واضع يده تحت ذقنه وعيناه تنظران الى السماء وكأنه الشاعر الذي عذّب قلوب العذارى !
رسمنا .. ولكم ضحكنا على صورنا .. صوّرني كأني لاعب كوره دقيق القدمين ناحل الخصر عريض الصدر كبير الرأس .. ببساطه مثل سوبرمان !!
كان الرسام مبدعا ودقيقا في ملاحظاته , وقد أكتشفت امورا لم انتبه لها من قبل ..
أخذ الرسومات الاربع احد زملائي على وعد بأن يعطي كل واحدا منا صورته .. أضاعها مع الوقت . ولم تفلح محاولاتنا لأستعادتها
مررنا في طريقنا الى مدريد على مدينه صغيره اسمها ( قلعة سالم ) وقفنا بها للاستراحه وقد آنسنا الجلوس امام نهرها الصغير .. ثم بعد ساعات كنا قد وصلنا الى مدريد وانتهت بذلك رحلتنا حول اسبانيا ..
من الجميل ان تملك اصدقاء مثل اؤلئك الذين سافرت معهم .. من الجميل ايضا ان تحفظ تلك الذكريات ..
وقفات في مدريد ..
تقابلنا مع اصدقاءنا في السفاره مرة أخرى , وقد دعوتهم بأسم اصدقائي على العشاء في مطعم ” فرايديز ” الامريكي الشهير ..
وقبل العشا بقليل وجدت موظفي المطعم يتحلقّون حولى يغنّون : هابي بيرث دي تو يو .. كانوا يغنوّن ومعهم البالونات والزمامير تسبقهم .. كنت مندهشا لذلك , أكتشفت بعدها ان صديقي في السفاره قد اخبرهم انه عيد ميلادي ليكيد لي ! .. هم بالعاده يحتفلون بأعياد ميلاد آي زائر يدخل على المطعم .. كان منظرا مربكا .. كانت فرصه لأصدقائي ليضحكوا ملئ افواههم , ويزيدوا الامر سوءا وأحراجا ..
وعندما هممنا بالخروج أتت النادله ومعها الحساب , حاسبتها وقد أتت بالباقي في طبق صغير .. كان مبلغا زهيدا جدا .. مجموعه من النقود المعدنيه .. في العاده الزبائن يتركون الباقي ( التيب)
للنادل , لكنني لم افعلها لجهلى , فقمت ووضعت الطبق امام جيبي وصببت النقود فيه صبّا لضيق كان في ملابسي .. كان موظف السفاره ينظر الى المشهد وانا اصب النقود في جيبي والدهشه تعلوا وجهه وقد طارت عيناه وجحظت مقلتاه .. فيما كان اصدقائي ينظرون الى المشهد بحزن وأسف شديد على بريستيج صديقهم الذي ضاع من نظرات الجميع !
كنت مشغولا عنهم , وعندما نظرت الى الجميع وجدتهم على حالهم .. لم اكن لارجع عن أمر قدرّته . فجلست وكأنني لم أفعل ما يشين ..
بكل أسف كان مافعلته محرجا للجميع , وقد تحرّجت لذلك الفعل كثيرا ..
دعانا احد منسوبي السفاره للعشاء في بيته , وقد دعى أناس كثيرون .. كنا نتجهز في الفندق لنخرج اليهم .. فتحت شنطتى وأخرجت قميصا لالبسه .. وافق دخول ابو طياره الى غرفتي , سألنى ماذا تريد ان تلبس في هذه المناسبه الكبيره .. فرفعت قميصي الذي سأرتديه .. قال لن تلبسه !! فأخبرته برفضي , كان ابو حزام وأبو كليه ينظران الينا وصوت ضحكهما قد بلغ مبلغه .. سحب ابو طياره القميص , وقال بيني وبينك باب الفندق , والله لا تخرج بهذا أبدا ..
الحقيقه ولكي لا ازيد الامر سوءا .. انني دائما ما اهتم بما أرتديه .. في تلك الرحله بالذات لم اكن مستعدا ذلك , خصوصا لمناسبات كبيره .. كانت رحله مختلفه عن باقي الرحلات , فأنا هنا لمشاهدة لماضي , لمشاهدة الاثار فقط .. وليس لغيرها اتفقنا على قميص بعد شد وجذب , وحضرنا تلك الامسيه الجميله ..
عدنا بعدها الى جده مصحوبين بالسلامه …
فيما بعد كنت كلما اتصلت بصديقي في مدريد , يقول لي هازئا : يجب ان تزورنا ثانية , فقد اكتشفوا تحت أحدى الاشارات مكانا تاريخيا !!
تمت