الثلاثاء، مارس 03، 2026

انقلاب رمضان!!

 يكفي دليلا على عِظَم الجريمة التي تقترفها الأنظمة الحاكمة المعاصرة هذا الذي تفعله في رمضان! لقد انقلب رمضان -على أيديهم وتحت رعايتهم ودعمهم- من موسم لعبادة الله وطاعته والاستكثار من الحسنات، إلى موسم لمحاربة الله ورسوله وأوليائه، والاستكثار من المعاصي والفجور والخلاعة!

حتى في زمن وباء كورونا الذي اتخذته السلطات ذريعة للتضييق على المساجد والقيام والاعتكاف وإطعام الطعام، لم تتوقف موجة المسلسلات والبرامج الخليعة، كأن الفيروس لا يوجد في غير المساجد ومواطن الطاعات، وكأنه يتجنب مواطن الفواحش والمعاصي!!

وفي هذه السنوات الأخيرة زاد هؤلاء المجرمون إلى إجرامهم عادة جديدة، وهي مسلسلات تعدّ خصيصا في هذا الشهر الكريم للإساءة والطعن في المسلمين وأهل الدين، فما يكاد رمضانٌ يخلو من مسلسل أو أكثر غرضه تشويه الإسلاميين ورموزهم وتشويه حركات المقاومة، يكفي أن تُلصق على الأمر لافتة "الإرهاب" ليصير المحظور مباحا! وكأنما "الحرب على الإرهاب" لا تحلو إلا في شهر الصيام والقيام والطاعات!

ولم يقتصر التشويه على الرجال، بل تعداه إلى النساء، وحتى إلى أعراضهن، وجرى عرض المسلسلات التي تزعم استهتار الإسلاميين بالأعراض وشأنها، حتى كأن نساءهن يُبِحْن أعراضهن لمن شاء، بأمر الأمير أو بغير أمره، (كما عرضه من قبل مسلسل: بطلوع الروح)! وأعجب ما في الأمر وأغربه أن اللاتي يقمن بهذه الأدوار هن الممثلات اللاتي كُنّ أعمدة الفجور والفاحشة، وكُنَّ رموز الفئة التي تحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا!!!

وصدق الذي قال:

فيا موت زُر إن الحياة كئيبة .. ويا نفس جدي إن دهرك هازل!

قد صار حقا ما كان يقال في الزمان القديم استهزاء وسخرية! العاهرات يخطبن عن الشرف وينعين على المصونات المحصنات المؤمنات الغافلات، وخونة الأوطان يخطبون عن الوطنية ويرمون أبناءها بالخيانة والجاسوسية!!!

ثم زاد الطين بلة أخرى إذ خرج علينا الزنادقة المشهورين بالفواحش والفجور يقدمون برامج دينية!! ويقول قائلهم: من آمن بالنبي كمن لم يؤمن به! ومحمد لم يكن خاتم الأنبياء فقد بُعث بعده نبي آخر هو البهاء ويصدقه سبعة ملايين! ويجب على المسلمين احترام هذه الملايين السبعة والكف عن الاعتناق بأن محمدا هو خاتم الأنبياء.. ولولا أني لا أريد تلويث قلمي ولا تلويث صفحات المجلة لذكرت اسمه! وذكرت بعضا من تاريخه، وهو تاريخ مدنس منجس حافل بأقوال الكفر والزندقة! فضلا عما هو حافل به من العمالة الرخيصة لأجهزة الأمن، ومن الريادة الحقيرة للصحافة الصفراء!

وقرينه في ذلك الكميت الأحمت ذي الحمالات الذي يواصل تقيؤ الكفر من فمه، ويتقيؤه فجا غليظا قميئا، كأن البلد قد فرغت من الدين وأهله، وكأنها قد خلت ممن يغضب لحرمة النبي وآله وصحبه! وكأنها لم تكن يوما بلد الأزهر الشريف، ولا عاصمة الخلافة الإسلامية، ولا كنانة المسلمين!

على أن هذا كله هو أعراض المرض الأصيل، المرض المتوطن الثقيل، وهذا المرض هو أنظمة الحكم نفسها، فلولا رضاها ودعمها ورعايتها لهذا كله ما تجرأ واحدٌ من هؤلاء أن يتفوه بشيء منه، فالحقُّ أنها مهمّتم التي يعرفون أنهم مكلفون بها.. مهمة الطعن في الدين وشيطنة المتدينين والترويج للتصهين والإلحاد والدين الجديد المرتقب.. دين الإبراهيمية الذي ينطلق من الإمارات المتصهينة! والتي بشرتنا الأخبار قريبا أنها بصدد إنشاء حي يهودي فيها! لتكون تلك أول عودتهم العلنية بعد إجلاء عمر بن الخطاب ليهود خيبر!

***

يجب أيضا أن يُقال بأن هذا "الانقلاب الرمضاني العنيف"، وهذا التحول الهائل من موسم الطاعات إلى موسم الكفر والفجور، لا يؤتي ثمرته ولا يصيب إلا من أراد التعرض له.. فإن الحريص على الطاعة والعبادة والتعرض لنفحات الله في هذا الشهر يُجنب نفسه أن يمكث أمام هذه القاذروات! لا سيما وقد أنعم الله علينا في هذا الزمن بكثرة المواد النافعة والمفيدة، إن كانت في الفضائيات أو كانت في الانترنت.. وتلك نعمة كانت الأجيال السابقة محرومة منها حين لم يكن بالإمكان مشاهدة غير قناة أو قناتيْن حكوميتين!

فالذي يترك تلال المواد النافعة والبرامج الرمضانية المتنوعة على سائر القنوات والمنصات ثم يختار أن يتابع هذا العفن فلا يلومن إلا نفسه!

وقد وصف الله تعالى أن زخارف شياطين الإنس والجن إنما تجد طريقها إلى نوع فاسد من القلوب، كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112، 113].

فمن عرَّض نفسه للفساد دلَّ هذا منه على فساد في داخله!

وأما الذين يحبون أن يتوب الله عليهم في رمضان فلا يسمحون لأنفسهم بتضييع أوقات الشهر الكريم في الهذر والتفاهة، فضلا عن الزندقة والفجور والخلاعة!

بل إن صاحب العقل النظيف الذي يحفظ عقله من أن يتلوث ويتدنس يصون عقله من التعرض لأعمال هو يعرف أن الذي كتبها كذاب، وأن الذي يمثلها فاجر، وأن الذي يمولها وينتجها ويدعمها خائن كفور!

ومن ها هنا فإن رمضان كما هو انقلاب في حياة المؤمن، فهو كذلك انقلاب في حياة الفاسق الخبيث.. هذا يزداد إيمانا ورفعة وقربا من الله، وهذا يزداد طغيانا ونفورا وقربا من الشيطان.. فيخرج كلاهما من رمضان، وقد اقترب كلٌّ منهما من مصيره!

ويصدق في كليهما قول الله تعالى {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123 - 127].

***

مما يجب التنبيه عليه في هذا الموطن أن الله تبارك وتعالى مثلما يضاعف الأجر في الأوقات الفاضلة والمواطن الفاضلة، فإنه أيضا يضاعف الوزر فيها..

فكما أن الطاعة في رمضان مضاعفة الثواب، فالمعصية في رمضان مضاعفة العقاب.. وقد أخذوا ذلك من قوله تعالى عن البيت الحرام {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].. فمجرد إرادة الإلحاد في البيت الحرام (وهو المكان الفاضل) قد توعد الله صاحبه بالعذاب الأليم!

وقاسوا على ذلك ما جاء في رمضان من النصوص التي تشرفه وتعظم قدره وتبين مكانه وفضله، وبه يتبين أن انتهاك حرمة هذا الشهر بالمعاصي هو أشد في الإثم من المعصية في غيره.

ومن هذه النصوص حديث النبي المشهور: "الصلوت الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".. فتصوَّر من يُقدم على المعصية ويتجرأ عليها وهو في الصلاة، أو وهو في الجمعة.. لا ريب أن هذا هو أشد في الإثم من اقتراف المعصية فيما سواها، فكذلك في رمضان!

ولا ريب أن هذا الفجور المنهمر على الناس في رمضان هو حرام في هذا الشهر وفي غيره، والواجب على المسلم تجنبه في كل الشهور، لكن من كان مُصِرًّا على مشاهدة هذا الفجور، أو كان لا يملك نفسه عنه، فأقل الأمر أن يؤجل ذلك إلى ما بعد رمضان، وليتعرض في هذا الشهر إلى الخير والطاعة والعبادة، وعسى ذلك أن يصرفه عن الشر في رمضان وفيما بعد رمضان. لكن إن لم يقدر على نفسه فليختر أهون الشرور!

إن الإقدام على العصيان في رمضان يضع الإنسان في قلب الخطر، فإن الله تعالى إنما جعل مواسم الطاعات ليتقرب العباد إليه وليغفر لهم بذلك فيها، فعصيان الله في هذه المواسم والأوقات هو اجتراء على الله وإساءة للأدب معه، فليحذر المسلم من ذلك.

***

ثم نسأل الله تعالى أن يهيئ لهذا الدين أمر رشد يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويُحكم فيه بكتابه، وأن يمنّ علينا فنعيش رمضان كما عاشه أسلافنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وحتى إلى وقت قريب، قبل أن تكون للدولة ووسائل إعلامها هذه القوة والهيمنة، حيث كان رمضان في سائر الديار شهر المواعظ والخير، ومجالس الذكر والصلوات والقربات وأنواع الطاعات..

ولا ننسى أن نذكر إخواننا وأحبابنا بأهمية العشر الأواخر من رمضان، وأهمية ليلة القدر، والحرص على اعتكاف هذه الأيام وقيام هذه الليالي.

إن الانخلاع من الدنيا ولو لأيام هو عمل عظيم الأهمية، لإنقاذ هذه النفوس التي نشبت مخالب الدنيا فيها حتى لم تعد تستطيع الانفلات منها.. لا بد للمرء من عزلة أيام يستعيد فيها نفسه وروحه وينظر فيها في شأنه، ويفكر فيها في آخرته، ويعيد فيها تقييم مسيرته في دنياه، وماذا عساه يفعل إذا دهمه الموت يوما ما!

انعزال أيام يتعرض فيها المرء للآيات والمواعظ قد يكون نقطة انقلاب رمضاني هائلة في حياته كلها، فإن الإنسان إذا آوى إلى نفسه وتفكر في شأنه وراجع حياته وتأمل في مستقبله، فإنه يعلم علم اليقين أن الدنيا أيام زائلة وأن المستقبل الحقيقي في الآخرة، وأن هذه الطاحونة الهائلة وهذه الماكينة الهادرة ليست إلا الصخب والضجيج الخادع الذي يصرف عن حقيقة المصير الكبير!

ومن يدري؟.. لعل دعاء مستجابا في ليلة القدر يكون سببا في النجاة العظمى يوم القيامة! وما ذلك على الله بعزيز.

نشر في مجلة أنصار النبي - مارس 2026م

الثلاثاء، فبراير 03، 2026

فقدوا رمضان!!

 

هذا باب من الكلام مؤلم ومرير، ومع هذا فمن النافع المفيد أن نعرفه ونتأمله ونستزيد منه، فهو من الأبواب المغفول عنها في كتب الرقائق والتزكية، ثم هو من الأبواب المغفول عنها في التعريف بشهر رمضان وقدره!

ها نحن نتهيأ لاستقبال شهر رمضان، ونُقدم على أيامه فرحين مسرورين، لا يخطر لنا شيء من أنواع المشقة.. فكيف إذا عرفنا أن بعض المسلمين كان يضحي بحياته لكي يتمكن من صيام رمضان وقيامه؟!

سنعرف حين نعرض لقصص هؤلاء المسلمين أن شهر رمضان نعمة عظمى، وأنه ليس يشعر بها إلا من فقدها..

ويكفينا لتقدير هذه النعمة ومعرفة عظمتها أن نتوقف أمام هذا الوصف النبوي له بأنه "نفحة ربانية"، ولعل الذي يتعرض لها فتصيبه ألا يشقى بعدها أبدا!

وقبل أن ندخل في حكاية الذين فقدوا رمضان، والذين ضحوا بحياتهم من أجله، أحب أن أذكر سريعا بثلاثة أمور في هذا الشهر الكريم، أو بالأحرى: ثلاث فرص غالية، كل واحدة منها تكفر الذنوب الماضية، فقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم:

1.    من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

2.    ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

3.    ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه

وتكفير الذنوب أمرٌ لا يقدره حق قدره إلا المؤمنون، وإذا أردنا تقريبه لأذهاننا التي تلوثت وتلطخت بالصبغة المادية، فهو يشبه لدى المدين "إسقاط كافة الدين"، ويشبه لدى الغارم "العفو عن كل الغرامات".. وهكذا!

وإذا كنا سنفتح صفحات التاريخ، فإن أعظم دروس التاريخ على الإطلاق أن كل الناس تموت، وأن الدنيا زائلة.. كل الذين سنذكرهم الآن ماتوا، ومات أبناؤهم وأحفادهم، وأحفاد أحفادهم، وأحفاد أحفاد أحفادهم.. كل الذين على هذه الأرض الآن لم يكونوا موجودين قبل مائة عام.. وكل الذين عليها الآن لن يكونوا موجودين بعد مائة عام قادمة.. سيتبدل الناس، وسيصير الجميع في القبور.. وكل هؤلاء لا يتمنى الواحد فيهم أكثر من أن يغفر له ذنبه، أو أن يزداد من العمل الصالح!

وأنت في هذه اللحظات التي بدأت تقرأ فيها هذه السطور، وحتى وصلت إلى هذه الكلمة.. هل تدري أنه قد مات ملايين الناس، ذلك أن الدقيقة الواحدة يموت فيها قرابة سبعين مليون شخص؟!.. كل هؤلاء الآن قد واجهوا حقيقة هذه الدنيا، وكلهم يتمنى أن لو عمل في حياته عملا صالحا يحسن به مصيره الحقيقي في الآخرة.

والآن تعالوا أحكي لكم القصة..

أحدثكم اليوم عن قصة المسلمين الأندلسيين بعد سقوط الأندلس، أولئك القوم الذين ضربوا مثالا أسطوريا في محاولة الحفاظ على دينهم، تحت ظروف في غاية القسوة، ظروف لا ترحم.

بثت قناة قناة الجزيرة فيلما وثائقيا قبل أكثر من عشر سنوات، بعنوان "المساء الأخير"، وفيه عرضت قصة إسباني دخل في الإسلام، وبينما هو يصلي رأته أمه، فسألته: ماذا تفعل؟ قال: هذه هي الصلاة في الإسلام. فقالت له أمه المسنة: لقد كنت وأنا صغيرة، أرى جدي يصحو قبل شروق الشمس، فيغسل أعضاءه بالماء مثلما تفعل الآن، ثم يفعل نفس هذه الحركات!

وهنا كانت المفاجأة: لقد اكتشف الإسباني الذي أسلم، أنه من عائلة مسلمة، وأن جدّ أمه ظل يحافظ على الصلاة حتى ستين سنة مضت! أي أن من المسلمين من ظل متمسكا بدينه أكثر من أربعة قرون سرًّا!!

ويا لها من أسطورة!!

وقد احتفظت لنا صفحات التاريخ ببعض وجوه العظمة التي كان عليها أجدادنا الأندلسيون.. وإليك طرفا منها!

لما سقطت الأندلس، وزال حكم الإسلام منها، ونقض الإسبان ما كانوا قد عاهدوا المسلمين عليه من ترك الحرية الدينية لهم، وجد المسلمون أنفسهم تحت حملة في غاية الشراسة والشدة، استمرت معلنة أكثر من مائة سنة، ثم استمرت سرًّا ثلاثة قرون أخرى!

كان محرما على المسلمين أن يبقوا مسلمين: إما التنصر وإما الموت، وفي أوقات بسيطة سُمح لهم بخيار ثالث هو: مغادرة الأندلس. وحين كان يتاح هذا الخيار كانوا يُهرعون إليه، إلا أنهم إذا اختاروا الرحيل ومغادرة الأندلس كانوا يُحرمون من أبنائهم فكان الإسبان ينتزعون منهم أطفالهم باعتبار أن الأطفال نصارى، ويتخلون عن أملاكهم، ويكونون تحت رحمة البحارة النصارى الذين ربما غدروا بهم وباعوهم عبيدا في فرنسا أو إيطاليا أو ألقوا بهم عبيدا في الأمريكتين!!

وكان هذا العصر هو عصر محاكم التفتيش.. تلك المحاكم الجهنمية التي كانت تجعل نفسها رقيبة على الضمائر والقلوب، فتبذل جهدها بوسائل الترهيب والتعذيب في التحقق مما إن كان هذا المتهم لا يزال في صدره بعض إسلام أم لا.. فإن كان كذلك فمصيره ميتة بشعة، بأدوات تعذيب شيطانية! وإن لم يكن فيكفيه أنه نجا بحياته بعد أن يكون قد خسر أمواله وممتلكاته كذلك.

صفحات تاريخ رهيبة كتبت فيها كثير من المؤلفات، وكثير من هذه المؤلفات كتبها باحثون إسبان وأوربيون أيضا.

ما يهمنا الآن هي قصة المسلمين الذين اجتهدوا ليصوموا رمضان في مثل هذه الظروف القاسية!

في كتاب "دولة الإسلام في الأندلس" للمؤرخ المصري محمد عبد الله عنان، يذكر لنا في المجلد الأخير "نهاية الأندلس وتاريخ العرب المتنصرين" أنه بعد مائة عام من سقوط الأندلس، ومن خلال سجلات محاكم التفتيش، أن قرية مسلاته الموريسكية[1]، المهم أن هذه القرية اتُّهم فيها أربعون أسرة بصيام شهر رمضان[2]!

فهنا ترى أن المسلمين ظلوا يورثون أبناءهم عبادات الإسلام بعد مائة عام!! حتى أنهم اكتشفوا في قرية واحدة أربعين أسرة تصوم.. هذا بخلاف ما لم يكتشفوه، بخلاف ما هو في سائر القرى!

وفي سجلات محاكم التفتيش تظهر بعض البلاغات التي أبلغ فيها النصارى عن المسلمين، التي نرى منها حجم تشوق المسلمين لشهر رمضان، وحجم انتشاره الصوم فيهم، فمثلا تم الإبلاغ عن مسلمة سُمِعت تقول لمسلم آخر إنها ذهبت إلى فضاء القرية لترى الهلال. وكذلك أبلغ عن مسلم نقَّاش رآه أحدهم يتطلع في السماء فسأله: ماذا تفعل؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقال النقاش المسلم إنه جاء لرؤية الهلال، فقال الشاهد: تريد أن تصوم؟ فقال النقاش: أجل، فهناك في أراغون (منطقة في إسبانيا الآن) يصوم الجميع"[3]!

وهنا يبدو أن المسلم ظن نفسه يكلم مسلما، أو ربما كان المُبَلِّغ أحد المسلمين الخونة، فهذا الصنف يظهر في أوقات الشدة ليتقرب إلى أعداء المسلمين.

من أهم الكتب التي تناولت أحوال المسلمين الأندلسيين بعد السقوط في جزئية عباداتهم الدينية تحديدا: كتابان على وجه التحديد، الكتاب الأول هو كتاب الباحثة الإسبانية مرثيدس جارثيا أرينال "محاكم التفتيش والموريسيكيون"، وهو مترجم وصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، وكتاب المؤرخ الإسباني بيدرو لونجاس "حياة الموريسكيين الدينية"، وهذا الكتاب يعتمد على المخطوطات المكتشفة من تراث الموريسكيين أنفسهم، والتي كانوا يكتبونها للمحافظة على الدين وتعاليمه!

في كتاب مرثيدس أرينال تذكر معلومة مهمة جدا، تقول: "بشكل رئيسي فإن العبادات الأكثر رسوخا في حياة الموريسكيين، والتي يرد ذكرها في كل المحاضر تقريبا، هي صيام رمضان، والطهارة، والصلاة"[4].

وتضيف أيضا: "بدون أدنى شك، صيام رمضان هو العبادة الدينية الأكثر تأصلا في حياة المسيحي الجديد[5]، وفي الغالب هي أكثر عبادة يحافظ عليها الجميع. ويمكن القول بأنه آخر مظهر إسلامي من حيث التلاشي... وإضافة إلى كونه شعيرة دينية، إلا أنه سيتحول إلى ملمح للتميز الثقافي، ويصبغ الشخص الذي يحافظ عليه بصبغة خاصة... طابعه الجماعي يجعل منه العبادة الأكثر تأصلا، وبالتالي الأكثر تميزا"[6].

بل حافظ المسلمون على وسيلة المسحراتي، فكان بعض المتطوعين المنظمين يخرجون ليطرقوا على الأبواب ليلا حتى يرد ساكنوها عليهم[7].. وهذا نوع من المخاطرة!

ولا ريب أن المرء حينما يطالع مثل هذه الأخبار، يحزن ويتحسر أن بعض المسلمين يهملون أمر الصيام وهم في مجتمعات مسلمة، وكيف أنهم يتخلون عن آخر شيء تخلى عنه أجدادهم المسلمون في أشد البيئات قسوة وشدة.

لم يحافظ المسلمون على الصيام فحسب، بل كانوا يصومون أيضا الأيام الستة من شوال، ويسمونها الستة البيض، ويحافظون على احتفال عيد الفطر بارتداء الثياب الجديدة أو النظيفة وإخراج الصدقات على فقرائهم.. وكانوا يصومون أيضا من الأيام العشر من ذي الحجة، ويوم عاشوراء، بل منهم من كان يصوم صيام داود، يصوم يوما ويفطر يوما.. ومنهم من كان يحافظ على الاعتكاف لتسعة أيام[8].

ثمة من المسلمين من قُبِض عليه أثناء استطلاعه لهلال رمضان، وذات مرة قبض على نصف قرية لهذا السبب، تقول أرينال: "كان هناك قلق عند انتظار الهلال ومراقبته، وكانوا ينقلون خبر ظهوره بين القرى المجاورة، ويتناقشون حوله. وتسبب هذا الاهتمام بهلال رمضان في محاكمة عدد ليس بالقليل من الموريسكيين. ففي عام 1570، تم القبض على نصف القرية لأنهم خرجوا إلى أماكن الفضاء لرؤية ظهور هلال رمضان، ولما دار جدل حول ما إذا كان الهلال ظهر أم لا انقسموا إلى جماعات متفرقة، وبدأت كل جماعة تدافع عن موقفها بصوت عال، وبالتالي علمت السلطات وقبضت عليهم"[9]!

ولأن المصير كان هو الموت حرقا وتعذيبا، فقد كانت للمسلمين تحايلات كثيرة، وبعض هذه التحايلات كانت تتعلق بالعبادة نفسها، وتقصير وقتها، أو تعويضها في أيام أخرى، ومنها ما فعلوه طبقا لفتاوى من علماء المغرب، أو حتى أفتى بعضهم لبعض بها (مع مراعاة تناقص وانقراض العلماء تدريجيا في بيئة الموريسكيين)..

فمن هذه التحايلات أنهم كانوا يعوضون صيام أيام رمضان في مواسم جني العنب، حيث يخرجون من بيوتهم في القرية، إلى البيوت التي أنشؤوها في الحقول والمزارع، حيث يتجنبون المراقبة اللصيقة بهم، بحجة أنهم يعملون الزبيب. يذكر المؤرخ الإسباني خوليو كارو باروخا، أنه في بداية القرن السابع عشر، يعني بعد حوالي 120 سنة من سقوط الأندلس أن المسلمين كانوا يتحايلون على السلطات الإسبانية، وفي بيوتهم تلك يصومون رمضان ويحتفلون بعيد الفطر، وأنهم كانوا يفرحون ويستبشرون بالمولود الذي يولد في تلك الفترة، لأنهم يتجنبون بهذا تعميدهم في الكنيسة[10].

ومن هذه التحايلات أنهم لم يكونوا يتمّون صيام شهر رمضان كله، بل كانت الأكثرية تكتفي بصيام نصف الشهر أو اثني عشر يوما منه، أو تستغل فترة السفر، فتصوم طوال مدة السفر، لأن هذا يجنبهم المراقبة والوشايات التي يمكن أن تصدر عن جيرانهم إذا لاحظوا امتناعهم عن الطعام والشراب[11].

ومن فتاوى هذه الحقبة، أن يدفع المسلم الكفارة إن كان لا يستطيع الصوم، كأن يكون عاملا في بيت مسيحي ولا يستطيع إلا أن يأكل في الأوقات التي يأكل فيها سيده، فعليه أن يطعم فقيرا، ومثل ذلك من كان مسجونا في سجن محكمة التفتيش أو مأسورا عند بعض المسيحيين.

وكذلك المسلمين الذين يعملون في النقل، وقد كان هؤلاء كثرة، فهذا إذا اضطر إلى صحبة مسيحي في سفر أقل من العذر الشرعي، وعرض عليه المسيحي الطعام، وخاف المسلم أنه إذا لم يأكل أن يثير الريبة فيبلغ عنه، فله أن يأكل أقل الممكن ويبقى صومه قائما، ونيته منعقدة على إكمال اليوم.. فإذا أكل كثيرا فعليه الكفارة!

والموريسكي إذا مات قبل أن يقضي الأيام التي اضطر إلى فطرها، فعلى أقاربه التصدق عنه أو الصيام بديلا عنه.

لا يتسع المقام لمزيد بسط عن أحوال الأندلسيين في زمن اضطهادهم، وما كانوا يفعلونه للحفاظ على الصيام، فضلا عما كانوا يفعلونه من التمسك بالعبادات الأخرى كالوضوء والصلاة والزكاة والزواج والولادة وحتى الدفن، وكيف اجتهدوا ببسالة عظيمة في حفظ دينهم وتعليمه، لكني أرجو القارئ وأوصيه كثيرا أن يقرأ تاريخ هؤلاء، فإنه تاريخ يزيد المؤمن إيمانا، وهو يزكي نفسه ويطهر قلبه، بما يرى من أفعال هؤلاء!

وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أشباه هؤلاء في عالمنا المعاصر الآن، وأقصد بهم المسلمين في تركستان الشرقية، والمسلمين في بعض مناطق الهند، والمسلمين في بعض المناطق الإفريقية.. هؤلاء المسلمون لا يتمكنون من صيام رمضان لأن السلطات تجبرهم على الإفطار، ولأن البيئة المحيطة بهم تترصد لهم وتبلغ عنهم إذا عرفوا أنهم يصومون.. طبعا نحن نرى بوضوح ما يحصل من اضطهاد بسبب الحجاب لأنه ظاهر، أما ما يحصل من الاضطهاد بسبب الصيام فيكون أكثر خفوتا.. فأرجو أن يهتم المسلم بحال إخوانه في هذه البلاد.. يهتم لحالهم لمصلحة نفسه، فهو حين يطلع على أحوالهم يزداد إيمانا وتمسكا بدينه، ثم يهتم لحالهم لواجب الأخوة الذي فرضه الله علينا وألزمنا به.

نشر في مجلة أنصار النبي - فبراير 2026م


[1] الموريسكيون هو التعبير المشهور عن المسلمين في هذه الفترة، ومعناها المسلمون الأذلاء أو المسلمون المستضعفون.

[2]  محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، ط4 (القاهرة: مكتبة الخانجي، 1997 م)، 6/380.

[3] مرثيدس غارثيا أرينال، محاكم التفتيش والموريسكيون: محاضر محكمة كوينكا، ترجمة: خالد عباس، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004م)، ص66.

[4] أرينال، محاكم التفتيش، ص65.

[5] وهي تعني بالمسيحي الجديد: المسلم الذي أجبر على التنصر، فاضطر للتنصر ظاهرا.

[6] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[7] بيدرو لونجاس، حياة الموريسكيين الدينية، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 1993م)، ص209، 214.

[8] أرينال، محاكم التفتيش، ص67؛ بيدور لونجاس، حياة الموريسكيين، 210.

[9] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

[10] خوليو كارو باروخا، مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492م، ترجمة: د. جمال عبد الرحمن، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2003م)، ص129، 146.

[11] أرينال، محاكم التفتيش، ص66.

الجمعة، يناير 02، 2026

ليست أندلسا واحدة.. فلكم ضيعنا أندلسا

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي - يناير 2026م

هذه أيام الذكرى الأليمة المريرة.. ذكرى سقوط الأندلس..

في مطلع يناير 1492م، قرر أبو عبد الله الصغير حاكم غرناطة أن يستسلم، وفي يوم 2 يناير دخل الصليبيون إلى غرناطة، ورُفِع الصليب على المنارة الكبيرة.. وانطوت دولة الإسلام في الأندلس!

بدأ الانحلال يدب إلى الأندلس، ويسري فيها الضعف من ذلك العصر الذي عُرِف بعصر ملوك الطوائف، حيث انهار الحكم الأموي، ولم يعد في البلد زعامة قوية، فغلب كل طامح على ما تحت يده أو ما استطاع أن يحوزه، وإذ بالدولة القوية الفتية تتفتت إلى ثلاث وعشرين مملكة!

ومن ذلك الوقت، تعرضت الأندلس للأخطار الوجودية، غير أنه جرى إنقاذها غير مرة على يد أمراء المغرب الأقوياء، مثل المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين. فلما ذهب الأقوياء من المغرب ودب الضعف إلى تلك البلاد أيضا، لم تجد الأندلس من ينقذها، فسقطت!

يتألم الأكثرون على سقوط الأندلس لكونها بقعة أرض عزيزة من ديارنا المسلمة، أزهرت فيها الحضارة الإسلامية، وأنارت تلك العصور التي يسميها الغربيون المظلمة. لكن ثمة ألما مضاعفًا يغفل عنه الأكثرون من الناس، ويجب أن يُعرف. ذلك أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد انهيار حضارة الإسلام في بلد ما، بل كان الأمر أشد من ذلك بكثير..

لقد كانت الأندلس بمثابة القفل الذي يغلق باب الشر الغربي على العالمين، فلما كُسِر القفل وانهار الباب، انفجر الشر الذي أصاب العالم كله: المسلمين وغير المسلمين معًا.

إن سقوط الأندلس ما زال يؤثر علينا حتى اليوم تأثيرا مباشرا وصارخا، ولكننا لا نشعر بذلك. لا نشعر به لأننا نجهل التاريخ مع كل أسف، ونحن نجهل التاريخ لأن هذا الجهل نفسه هو نتيجة تسلط العدو علينا، وتَمَكُّنِه مِنَّا، فلما تسلط علينا وتَمَكَّن منا أنشأ في عموم ديارنا الآن أمثلة رديئة لملوك الطوائف الأندلسيين، وقد تولى هؤلاء الملوك تجهيلنا لكي ننسى ونفقد الذاكرة، ومن ثَمَّ نفقد بوصلة الطريق.

لما سقطت الأندلس، استعان الإسبان والبرتغال بأموال الأندلس وعلومها، فاستطاعوا أن "يكتشفوا" الأمريكتين وأن يكتشفوا طريق الدوران حول قارة إفريقيا للوصول إلى الشرق بغير عبور على قلب العالم الإسلامي في مصر والشام، ثم استطاعوا الدوران حول الكرة الأرضية عبر رأس ماجلان.. فماذا ترتب على هذا؟!

ترتب عليه أن تدفقت عليهم أموال هذه الديار والأرض، وأنشؤوا لأنفسهم المستعمرات، واستعبدوا ملايين البشر في إفريقيا وآسيا والأمريكتيْن، بل طمعوا في الدخول من باب المندب إلى البحر الأحمر لهدم الكعبة ونبش قبر النبي. ازدادوا أموالا، وبها ازدادوا سلاحا وعتادا ورجالا، وأخذوا في غزو المغرب حتى وصلوا إلى طرابلس بعد احتلال السواحل المغربية والجزائرية. ولولا أن قيَّض الله الدولة العثمانية ومجاهدي البحار: المتوسط والأحمر وعدن، لكان الإسلام قد صار نسيا منسيا!

لقد افتتح العالم بعد انهيار الأندلس عصرًا من أظلم عصوره وأكثرها دموية وعنفا: عصر الاستعباد ومحاكم التفتيش، لقد انكسر قفل الأندلس، وانتشر الشر الغربي، فدفعت الشعوب الإفريقية وشعوب الأمريكتين مئات ملايين الضحايا حتى بُنِي على رفاتهم وبأموالهم ومواردهم مجد الرجل الأبيض الذي لا يزال يقهرنا حتى الآن!

إن الذين كانوا يُحاصَرون في غرناطة لم يكونوا يعرفون أن صمودهم في المعركة قد يغير تاريخ العالم لخمسة قرون قادمة أو يزيد. لم يكن يعرف أبو عبد الله الأحمر، آخر ملوك الأندلس، أنه حين يستسلم ويؤثر السلامة ويتنازل عن غرناطة فإنه يزيل بيده آخر حجر في السدِّ الإسلامي الذي سينهمر بعده طوفان الدم الصليبي في العالم كله! كذلك فإن رسائل الاستغاثة التي تلقها الملوك في المغرب والقاهرة واسطنبول لم يكن يعرف أحدٌ من حامليها ولا قارئيها أنها معركة فاصلة في أعمار دولهم هم: دول المغرب ومصر والشام والأناضول والبلقان!

إن التاريخ كان سيتغير تغيرا حاسما لو أن المسلمين قد سبقوا إلى الأمريكتيْن، أو حتى استطاعوا أن يحجزوا الغربيين عن الوصول إليها أو الوصول إلى المشرق ولو لقرنٍ واحد على الأقل.

ونحن حين نقرأ التاريخ لا نقرؤه لنبكي إلى جوار الأوراق، بل نقرؤه لنعرف كيف نفعل حين نقوم من على الكتاب..

فإذا تأملنا في مصير الأندلس وما أوصلها إلى ذلك، فمن حسن الحظ أن سنجد إماما كبيرا شجاعا كان في عصر ملوك الطوائف، لخَّص لنا أسباب الحالة، وخلاصتها: خيانة الأمراء وجبن العلماء!

ذلك هو الإمام ابن حزم الذي قالها بأسلوبه الملتهب:

"عُمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها، ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله، غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزَيِّنون لأهل الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمِّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما غلبوا"[1].

وخلاصة كلامه لمن لم يفهم تلك اللغة العالية: أصل المشاكل هو في أمراء الطوائف، وكلهم محارب لله ورسوله ومفسد في الأرض، ومعهم علماء فُسَّاق يُزَيِّنون لهم الأمر. والواجب على الأمة ترك كل شيء إلا تغيير هذا الحال، ومن عجز عن ذلك فربما كان يُعذر، لكن هذا نفسه مُحَيِّر، فلو قد تكلموا جميعا لما غلبهم الأمراء ولاضطروا للانصياع لهم.

وبعد هذه الفقرة بقليل، يقول ابن حزم أيضا عن ملوك الطوائف وفرضهم الضرائب على المسلمين وإباحتهم بيع الخمر وغيره من المعاصي: "هذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيُمَكِّنونهم من حُرَمِ المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه"[2].

ذلك الكلام الواضح الصريح دفع ابنُ حزم ثمنه في حياته، لكنها بقيت قولة حق خالدة، ثم دفعت الأندلس والأمة كلها الثمن العظيم بعد وفاته بقرون.. ولا زلنا ندفع!

والآن.. قد صارت ديارنا كلها أندلسا!

وما نكاد نخرج من حرب يُستأصل فيها المسلمون إلا وندخل في غيرها، فلم تنقض حرب غزة إلا وقد نشبت حرب في السودان، وقد شهدنا قبل غزة تناقص أقطار المسلمين في بورما وتركستان الشرقية وكشمير والبوسنة وكوسوفا وزنجبار.. ولا فائدة من الاستقصاء والتعداد!

والكلام الذي قاله ابن حزم لا يزال قائما.. ولا يزال القائلون به قلة!!

ولا تزال القلة تتعرض للفتنة والعذاب والمطاردة والسجن والنفي والملاحقة.. والبقية تختار السكوت.. مع أن الجميع لو تكلم لاعتدل الحال..

ثم نجلس جميعا لنبكي على الأندلس في ذكراها.. ونحن نضيع ما بقي في أيادينا من أشباه الأندلس!!

لئن قال ابن حزم ما قال عن حكام الطوائف في عصره، فإن قوله هذا أكثر انطباقا وأشد لزوما على حكام عصرنا نحن.. فلئن كان يتوقع استشرافا أنهم لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نرى بأعيننا الآن كيف قد مَكَّنوا للصليبيين والصهاينة في بلادنا!

وهذه الأيام نفسها، انظر كم في ديار العرب والمسلمين من احتفالات بعيد النصارى (الكريسماس)، مما لا يُفعل شيء منها في أعياد المسلمين: الفطر والأضحى!!.. إنني أكتب هذه السطور قبل موعد الاحتفال، ولكن كما قال البارودي:

ولست بعلام الغيوب وإنما .. أرى بلحاظ الرأي ما هو واقع

وقد عوّدتنا الإمارات، لا سيما: دبي، على احتفالات صاخبة ماجنة تسفح فيها ملايين من أموال المسلمين، وثلاثة أرباع المسلمين جوعى وغرقى ومرضى ومصابون بأنواع الإصابات والهموم!

وهل أتاك نبأ من الأردن، حيث ملكها ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو يعتقل الدعاة والشباب الذين ينصحون المسلمين ويبينون لهم حرمة الاحتفال بأعياد النصارى؟!!

وهل أتاك نبأ الديانة الإبراهيمية؟!!

من قرأ تاريخ الأندلس، رأى فيه شخصية كانت محور السقوط والانحدار، وهي شخصية الوزير الإشبيلي أبو بكر بن عمار.. كان وزير سوء وصاحب فتنة، فكأنما هو وزير للقشتاليين لا للأندلسيين، وإنه ليشنّ الحروب على الأندلسيين ويحرض النصارى عليهم أكثر مما يفعل النصارى أنفسهم.. ما أشبه هذا الوزير بشخصية محمد بن زايد رئيس الإمارات، وصاحب كل سهم في كل حرب تجري على المسلمين!

ما من نقيصة كانت في ملوك الطوائف الأندلسيين ليست قائمة ظاهرة في ملوكنا اليوم، بل لقد كان في ملوك الطوائف الأندلسيين من العلم والثقافة والازدهار الحضاري ما ليس مثله في الحاكمين الآن. ولقد جاء يوم على كبيرهم "المعتمد بن عباد" فرأى أنه لما وقع الاختيار، اختار جانب المسلمين، وقال: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير".. أما هؤلاء الحكام المعاصرون، فقد هيؤوا حظيرة الخنازير ونزلوها وباعوا أعراضهم فيها، ثم هم يجتهدون في إدخال من لم يدخل إليها.. وما نبأ تواطئهم على أهل غزة ببعيد!

ولقد كان في ملوك الطوائف شعراء، وما في هؤلاء الحاكمين الآن رجل واحد فصيح.. بل يتنافسون في عي اللسان ورداءة القراءة من الأوراق المكتوبة لهم!

ولقد كان في ملوك الطوائف من يحضرون الجُمَع والجماعات، ويدخل عليهم العلماء فربما وعظوهم واشتدوا عليهم، وأما هؤلاء الحاكمين الآن ففي كل يوم لهم تسريب وفضيحة، وحتى علماؤهم الذين ينافقونهم هم عندهم في أذل مقام وأقل مكان!

ترك لنا واحدٌ من ملوك الطوائف مذكراته، وهي كسائر مذكرات السياسيين جُلُّها تبرير وتزيين وزخرفة، ذلك هو عبد الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، ثالث ملوك غرناطة في عصر الطوائف وآخرهم، وقد ذكر لنا في مطلع هذه المذكرات كيف بدأ الانحلال.. لقد كانت البداية: إيثار السلامة وترك الجهاد!

ساعتها، قام ملك الأندلس الكبير محمد بن أبي عامر، الذي هو ذروة التاريخ الأندلسي، فصار يأتي بالمجاهدين من عدوة المغرب، فكثر أهل المغرب في الأندلس لذلك العهد، وبهم كان آخر عصر الجهاد الكبير في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت صار أهل الأندلس يعتمدون على إخوانهم أهل المغرب. فلما ضعف المغاربة ضعف الأندلسيون والمغاربة جميعا!

فما لم نقم الآن بواجب الوقت في إسقاط هؤلاء الخونة، وفي تعرية العلماء الفسقة، وفي استنهاض طاقة الأمة للجهاد.. فنحن في كل يوم على موعد مع أندلس جديد!!

وصدق الذي قال:

ما زلنا نذكر أندلسا .. نبكيها في صبح ومسا

ليست أندلسا واحدة .. فلكم ضيَّعنا أندلسا

 



[1] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/173.

[2] ابن حزم، رسائل ابن حزم، 3/176.