فراس الحبش

my-love

ترجّل آخر الفرسان

فراس الحبش ..

كل الرجال بعدك رماد

ذاكرة من خواء

وأنا بعدك

ظل لامرأة ..

ظل لمرآة وما قيمة للظل دون ضوء

وما قيمة لإنعكاسي في الظلام

طعنة أنت في الخاصرة

كلما وقفت شددتني إلى الأرض من جديد

لا قبر لك لأغرس فيه ساقاً أخضر

فكيف لقبرٍ أن يتسع لي بعدك

على شفا إقتراب كدت أن أكون عروسك

كل تفاصيل الزواج قد حدثت لكن وجودك لم يحدث

كل مافيك يطاردني …

صوتك

رائحتك

فستان الزفاف الذي لم يقدّر له أن يلامس جسدي بعدك

ترجّل آخر الفرسان فكيف لهذه الفرس أن تقف من جديد

” من فجع هذه اليتمية بقلبها؟!”

قاتلوك كُثر وكنت أنت قاتلي

وأصبحت محرابي بعد أن كنت مأواي ومسكني

كلما خذلني أحدهم هَرعت إليك

رميت كل أحزاني عند قدمي رحيلك فوجدت أن ليس كرحيلك شيء

وكل مايحدث دون غيابك أحداث

وكأنك أصبحت كل الرجال في عينيّ

وكأن الله ماجعل له خليفةً في الأرض سواك

كل ليلة أدعوه

كما جعل لقائي بك في الأرض محالاً أن يجعل لقائي بك في الآخرة قريباً

سقوط حر

وعند السقوط اجعلي ظهرك للأرض ووجهك للسماء

سيسمع الله صوت نظراتك .. سينصت لانكسار قلبك

سيسأل ملائكته “من كسر قلب هذه ؟”

” أنا من سيجبرها”

لاتقومي بعد السقوط تأملي هذا الألم الذي يملؤك

أتراه يستحق؟

أتراك تستحقين ؟

اجمعي كل هذا الغبار الذي علق بك وعبئيه بقوارير

سينكسر رأسك ألف مرة

وستجرين روحك خلفك كسيرة ألف مرة ومرة

لكن تذكري بأن كل ما لم يقتلك أحياك

دبجونة الإنتظار (الجزء الثاني )

هذه المرة لم يكن عليها أن تنهار وتبكي أوتبقى في وضعية الجنين لخمسة أيام. كل مافعلته أن أذابت ملعقة نسكافية وملعقتين كوفي مايت في ماء ساخن جمعت صوره من على الجدران والمساند ولملمة ظلاله من الزوايا ورمت ببيجامته وثيابه في القمامة وجلست تشرب قهوتها قرب النافذة

waiting

.

01/01 :

لا أحد يشعر بمرارة السنة الجديدة وفرحتها كالسوريين, من جهة هم سعيدون لأنهم مازالوا أحياء ومن جهة أخرى يشعرون بالمرارة لأنهم لم يموتوا مع أصدقائهم وأقاربهم السابقين. وأصبحنا ننافس شعب الله المختار فبتنا شعب الله المفصوم, على الزمن أن يعبر فوق جيلين كاملين حتى نستطيع تجاوز مانمر به الآن.

ليلة رأس السنة تذكرت جدتي وهي تصرخ من آخر المنزل لأحد أبناء خالي في ليلة زفافة “اقطع رأس القط من أول ليلة” وأنا البريئة التي تخاف من الماء الملون فما بالك بالدم قررت أن أقطع راس القط على طريقتي, فتركت للمقص الحرية أن يجد طريقه في شعري. ماحاجتي بالشعر وما من يد تزرع فيه النجوم أو تنام عليه.

 الرابعة مساءاً :

كانت سنة جديدة بكل ماتحمله الصدفة من معنى, على غرار سنة القحط كانت هذه السنة متفتحة بالفرح منذ اليوم الأول, حركة المفتاح على باب الشقة جعلتها وشعرها تتسمر لبضع دقائق فكانت بخصلها الصغيرة المقصوصة بعشوائية الواقفة فوق رأسها كالشمس. لم يخطر ببالها إلا أن لصوصاً عرفوا الطريق إليها ولوحدتها.

كانت مفاتيح الطرف الآخر تتردد قليلاً وتكمل حتى غرّدت مفاصل الباب معلنة أن أحدهم يخطو وظله يمشي أمامه وقفت على قدميها, كل خلاياها جفّت فجأة وعيناها برزتان كضفدع وكادت أن يغمى عليها ولكنها تفضّل أن تعيش كل اللحظات من توسل وبكاء وإعطائهم المال المدسوس تحت المخدة ثم الموت والتعذيب .. الخ

عندما وقف زوجها أمامها كان إنعكاس لظله فهما نحيلان رماديان جافان من الحياة, الرجل ذو التسعين كيلو المتورّد الخدين المهندس الوسيم لم يبق منه إلا هذا الشبح ذو الخمسين كيلو الذي ماكان لزاماً عليه أن يفتح الباب بمفتاح, كان بإمكانه أن ينسل من تحت فتحة الباب وحتماً كان سيمر ..

كل القمل والجرب والأمراض التنفسية والنفسية والجسدية المزروعة فيه بعشوائية بدت جميلة, هذا الذي جفّت له عروق الحياة أعاد معه كل شيء شعرت بأنها تقف وجهاً لوجه أمام روحها, لو أنه عاد مبكراً قليلاً فقط لكانت احتفظت بشعرها هكذا فكّرت باديء الأمر.

احتاج لخمسة أسابيع حتى يتجاوز الجرب والهزال الشديد والسعال والصداع والدوخة أمام ضوء الشمس وأكثر من ذلك قليلاً ليتغلب على “النقزة” أمام كل طرقة باب, وبهدوء عاد الورد ليسكن خدوده إلا أنه لم ينجو بعد من الكوابيس حتى بعد مضي ستة أشهر.

عادت الروح للساعات والأيام ولرائحة القهوة ولإزعاج بائعي الخضار والحليب المتجولين وللعصافير التي تثرثر طوال النهار على نافذتها ولوالدتها وحماتها وعادت فجأة تغزل المشاكل مع أخوات زوجها وتكيد لسلفتها وتتجمع مع جاراتها في صبحيات نسائية لاتنته  ..عادت شراهتها للحياة.

مفتاح:

عند الباب قبّلا بعضهما وانطلق كل منهم في طريق عمله, الازدحام والوقوف المتكرر والانتظار وتململ الوجوه أصبحت عادة سورية يحترفها الجميع ربما هي لعنة الأموات للأحياء. يمسكها الألم من خاصرتها اليمنى ويمر كسهم للجهة الأخرى, الجو جميل بإمكانها أن ترتكب إجازة في حق العمل وتتسكع في منزلها بهدوء هكذا فكّرت وهكذا اقترفت.

الأبواب شواهد لو جُعل لها لسان لتتحدث لاعترفت بالكثير.

فتحت الباب بهدوء ودخلت لتقف خمس دقائق تستمع لضحكات وتأوهات احتاجت لأكثر من دقيقة لتؤمن أن هذا الصوت له وهذه الضحكات له وهناك أخرى ليست هي تشاطره هذه الضحكات, الخيانة على بُعد شجاعة كان بإمكانها أن تدخل وتحطّم المنزل على رأسه ورأسها هاذان الغارقان بالرذيلة في منزلها. لكنها اتبعت طريقة أخرى ثلاث خطوات واستدارة وركضت بمليء خيبتها.

لم تعلم لماذا هربت من المنزل وتركت لهم الساحة ليكملا يومهما, “الغبية لابد أنها ترتدي قميص نومي وتنتعل “شحاطتي” وتضحك من مقاس قدمي وتعبث بأحمر شفاهي, ابنة المعاتيه لابد أنها تضع من عطري وتلف شالي حول خصرها وترقص به وذلك المعتوه يصفق لها”. تركت لقدميها المشي فجابت شوارع المدينة دون وعي تبكي أحياناً وتصمت كثيراً ولا تدرك  سبباً للبكاء أكان من أجله أو من أجل كرامتها أو حزناً على أغراضها.

شعر أشقر :

قبيل الرابعة بقليل اتصلت به لتسأله اذا ماكان المنزل ينقصه الملح ولتخبره بأنها قادمة ليتخلص من كيس القمامة الذي يقبّله, دخلت وبدأت تتحدث دون أن تنظر إليه أشار لها باستفهام على شعرها “شو؟ .. آه شعري صبغته أشقر تغيير شكل” وكادت أن تكمل أصفر على رأسي ونار تأكل رأسك.

 عندما تفرح المرأة أو تغضب وحتى عندما تصاب باكتئاب فهي تلجأ لتغير شيئ في نفسها وكأنها ترجوا الآخرين أن يلاحظوا ماتمر به.

مسكت نفسها دون أن تستفرغ كل ما تحمله في قلبها أمامه ودفعت إسبوعان من عمرها للتفكير, وأعطت للزمن الإذن أن يعيد نفسه.

بسكويت مالح :

 وجاء عزيز كتابكم “اعتقلوه”

هذه المرة لم يكن عليها أن تنهار وتبكي أوتبقى في وضعية الجنين لخمسة أيام. كل مافعلته أن أذابت ملعقة نسكافية وملعقتين كوفي مايت في ماء ساخن جمعت صوره من على الجدران والمساند ولملمة ظلاله من الزوايا ورمت ببيجامته وثيابه في القمامة وجلست تشرب قهوتها قرب النافذة.

بعد ما اكتشفت خيانته فكرت بطلب الطلاق ومواجهته والبصق في وجهه ولململة أغراضها والعودة لعائلتها, لكنها كانت ستترك المجال لتلك الغبية لتأخذ مكانها وسيتهامس الناس في الغد عن الأنثى المسكينة التي خانها زوجها وتركها وسينضج كطبق ورد وستذبل كشمس لذلك كان عليها أن تسبق غضبها, حادثت صديق لها في دولة خليجية وشرحت له أنها بحاجة لمبلغ 200 ألف ليرة سورية ولأن هناك مشاكل في هويتها فالأفضل أن يرسله باسم زوجها والبقية سهلة … تقرير صغير بتمويله للإرهاب لتبدأ النهاية باعتقال ولتختتم “بموت تحت التعذيب” وتمسي هي الأرملة الصابرة الجميلة .

حيث تنام النهايات تنمو البدايات جديدة . 

 الجزء الأول 

دبجونة* الإنتظار

Duality_by_EltonFernandes

بعد مَضي خمسة أيام استيقظت وهي ماتزال حبيسة ذات العبارة “اعتقلوه” كلما سكنتها العبارة اعتقلتها من جديد .. كل التفاصيل التي تتبع ذاك الاعتقال كانت مقتضبة كموجز لأهم الأنباء تُختصر بثلاث كلمات “أجو أخدوه وراحوا”, تفاصيل فقيرة كلاجيء سوري يقبع في مركب في عرض البحر .. حتى هوية القادمين الآخذين لم يكن أحد متأكداً منها همس أحدهم في أذنها ذات ساعة ” اضحكي بعبّك اذا كان فرع أمن اعتقله”

خطر ببالها كيف يمكن لأحدهم أن يضحك بعبّه .. كيف خطرت لأجدادنا هذه العبارة ؟ إذا مانظرنا إلى تاريخهم الممتليء بالأشياء الغريبة كاليالنجي مثلا ً فكيف يخطر لأحدهم أن يقطف ورق شجر ويحشوه رز وخضار وينتظره لأكثر من ساعة لينضج .. نفضت رأسها ثلاثاً وكأنها تتعوذ من الأجداد وعادت لتسأل ” ومن سيعتقله إن لم يكن فرع أمن؟” مصحوبة بهزة رأس هندية خفيفة .. ليجيبها ذات الصوت “بيجوز خطفوه”.

في الواقع لا تختلف تفاصيل الطريقتين كثيراً لكن الفرق يكمن في تفاصيل الطريقة الثانية فهي أسهل, تجلس في منزلك تتأكد دوماً أن الهاتف بحالة جيدة لالتقاط اشارة اتصال وتنتظرهم لأنهم حتماً سيصلون إليك والهدف واحد القليل من المال أو كل ماتملكه ويملكه معارفك من المال .. نعود لليوم الخامس حيث انتبهت أنها بقيت وحيدة دونه هي الزوجة المكلومة بغيابه بانتظار أخباره, كانت متكورة على شكل جنين تنظر ولا تنظر للسقف نظراتها هناك ولكنها ليست هناك .. تشعر بلكماتهم على جسده فيتبقّع جسدها باللون الأزرق

الخزانة :

وككلب بلله الماء نفضت جسدها جيداً وانطلقت إلى الخزانة, ليست خزانة الملابس فلا حاجة لها للشياكة ولكن لخزانة الأكل.. منذ بداية الأحداث وتعرّي المنازل أمام كل من يملك شكّاً أو سلطة أصبح لزاماً على الجميع أن يخفي مقتنياته الثمينة مدّت يدها “لدبجونة الحمص” وأخرجت قطعة ذهبية تضعها النساء في معاصمهن تَسمى إسوارة كانت جميلة كيوم أهداء والدتها لها, لوهلة شعرت بأن القشور أعطتها نشوة لمعان أكثر .. نفضتها ووضعتها في علبة صغيرة وبدأت يدها تتنقل من “دبجونة” الى أخرى تلتقط ذهبها وتنفضها من البرغل والعدس والكشكة والحليب المجفف لم يتبق من المقتنيات البرّاقة سوى خاتمين ألماس ولخوفها أن تجدهما في إحدى قدور شوربة العدس أو طافين في إحدى صحون الكشكة قررت إخفائهم في أماكن محددة أكثر.

فتحت قطرميز المكدوس وتوجهت بحركة سريعة إلى تلك الكبيرة الحجم المحشورة في الزاوبة اليمنى وضعتها في صحن وفتحتها بهدوء لتبصق لها الخاتم الجميل .. ابتسمت كوالدة تحمم طفلها بعد سبع أيام دون حمام وتهمس له “تقبرني وإنت مزيت” لم يبق إلا قطرميز اللبنة المدعبلة أخرجت تلك المدعبلة ببهاء وأخرجت آخر أطفالها.

جمعتهم بكيس ودسستهم في حقيبتها وانطلقت إلى محلات الصاغة .

شمس:

“ما دفعني للانطلاق إلى محلات الصاغة هو ارتفاع الليرة مقابل الدولار فهذا التحسّن قد لا يدوم لأكثر من يوم أو يومين وربما ساعة, ومن محلات الذهب الى أحد تجار السوق السوداء باحثة عمن يستطيع أن يحول مابين يدي من نقود إلى دولار, الدولار ضمانك في الأيام السوداء كنت أردد لنفسي المرتجفة الخائفة من ضوء الشمس, حاولت التواصل مع أصدقاء زوجي لكن الأغلبية الساحقة أدارت ظهرها لي لا عتب فهم خائفون أن يأخذوهم خلفه”

 “هم ” ضمير الغائب الحاضر .. تحدثوا عنهم بلباقة .. بسم الله كش برا وبعيد

انتظار :

منذ اليوم الأول أوقفت تاريخ كل شيء يمضي إلى الأمام حتى عقارب الساعة.. جمدتها

أبقت بيجامته مفرودة على السرير بعناية تندس بجيوبها كل مساء وتغرق برائحته, وفي لحظات النساء الشهرية الحرجة كانت تنفخها بالمخدات فتبكي هي وكل هرموناتها المجنونة.

وصباحاً ترهف السمع لخطوات الدرج المقتربة من شقتها, هي لا تخاف من اللصوص ولكنها بإنتظار حذاء بقياس 44 يسكرها كأم كلثوم وأكثر, سيرقصها كنانسي وأكثر سيبعثرها كقذيفة وأكثر وأكثر ولكن دوماً لا ينفذ من شقوق المنزل إلا صوت فيروز التي تصر كل يوم في ذات الوقت على الغناء “لما لمحتو طل صرت ملبكي.. فتشت ع كلمة تأفتحله حديث وقفت ووقف وتنينا نسينا الحكي”

أما الدولارات فصرفتها كلها على “المفاتيح” التي لا تفتح أبواب السجن بل هم لصوص قدماء بثياب جديدة.

مرّت سنة :

سنة تشبه إلى حد كبير السبات الشتوي, أمضي كل وقتي في المنزل ربما عاد عليه أن يجد مايتخيله, الفرح يحدث خلسة أحياناً كما الحزن لذلك يجب أن نبقي عيوننا دوماً متنبهة لنأكله كله دفعة واحدة, خلال هذه السنة المترهلة -كجسد أنثى خسرت 150 كيلوغرام- كان كل شيء كما تركه الكهرباء تنقطع بانتظام الماء وسيلة تهديد من الطرفين القذائف تدور دورتها المعتادة عزرائيل يطوف كما عهدته والموت سيد الموقف والناس كلها مثلي بإنتظار شيء ما.

في سنة الاحتضار كنت كمن أقف في الأعراف فلا أنا من أهل الجحيم ولا أنا من أهل النعيم كل الحكايات لديّ مؤجلة, كل المستقبل مؤجل إلى تاريخ غير معلوم. أصبحت مدمنة لصفحات المعتقلين ومتابعة لحملات الاعتقالات وتواريخها وأعداد المعتقلين في كل حملة وأصفق وأهلل للخارجين وأتفحص صور الجميلين الذين غلبهم النوم تحت التعذيب بدموع وخوف, كل صورة لا تكون لك أحمد الله وأحتقر نفسي وأكمل البكاء.

ستون يوماً بعد الاعتقال أصبح للهاتف طنين مزعج وتدفقت اشارات الرسائل والواتس وكأن كهرباء 220 فولت تحمل اسمي ضربت الناس فأصبحوا كالمجانين تسع وأربعون ألف وخمسمائة وستون اتصال في الدقيقة.

الجميع كان يتكلم بطريقة سريعة “افتحي صفحة الجميلة ذات الشعر الأسود اسم زوجك هناك” هنا كان الخبر الأول, خرج أحدهم من المعتقل وأخبرني بأن زوجي بخير وهكذا تعلمت لغة اتصال المعتقلين مع عائلاتهم, الطريقة الأولى أن تنتظر والطريقة الثانية أن تنتظر والطريقة الثالثة أن تنتظر.

خلال هذا العام أيضاً أصبحت الأرض الواطية التي على الجميع أن ينظّر عليها, فجارتي الأولى تنصحني أن أتطلق وجارنا يحاول أن “يطبقني” بالمناسبة أتعلمون من أين جاءت كلمة تطبيق ؟! .. هذه الكلمة تستخدم عندما يحاول الديك أن يطبق الدجاجات معه في القن, وصديقتي تشمت و.. و.. و.. وأنا؟  أنا لا شيء سوى غبية لا تعرف مصلحتها “هكذا يثرثرون خلفي, وأمامهم عليي أن أفتح عينيّ بإنتباه لكل مايقوله الجميع وأهز رأسي موافقة فأي محاولة للجدل تنتهي بأنه “والله عم انصحك متل أختي” من أين جاؤوا هؤلاء بأخوة آخر العمر هذه لا أعلم تماماً.

يتبع ….

*الدبجونة وعاء بلاستيكي يستخدم في في حفظ المؤونة

كلمات غير مترابطة ( عيد / أم )

صورة

“عيد سعيد ياحجة”

لو أننا في تاريخ غير هذا التاريخ .. أو لو تعثّر الزمن وتوقف قبل بضع سنوات كنت سأقول ما أوردته سابقاً ولكن اليوم وفي هذا التاريخ يبدو هذا العيد شاحب كئيب … يشبه إلى حد كبير صلصال الأطفال الملوّن كان قبل ذلك يعني لي البهجة ولكنه اليوم دعوة صريحة لتوسيخ أظافري وتوزيع الشجار على أطفال المنزل.

بالله يا أمي أتريدين أن نحتفل بعيدك “من كل عقلك” ؟

كيف لي أن أحتفل بشيء وهبك الله إياه بسببي بينما أقف أنا على قدم واحدة كشجرة دون جذع والجميع يطلب مني أن ينمو لي جذر؟

أأحتفل بك وأنا فُتاتة هذا العيد أقف على حوافه “كالمئات من الفتيات” لا نعلم إن كنّا سنسمع طفل يلوّث كل تفاصيل حياتنا بلعابه يحمل هدية أحضرها له أباه ليقول لي كل عيد وانت الجميلة ياماما ؟

أعلي حقاً أن أحتفل بك وعلى طول العالم وعرضه أمهات دون أطفال وأطفال دون أمهات لم تكلف الكرة الأرضية نفسها أن تكف عن الدوران بهم ؟

كيف ستشعرين وأنا ألصق بهذا اليوم صفة العيد وهو لا يمس للعيد بصفة  فهناك في بلدٍ كانت تسمى بلد لا يقل عن الخمسين شخص يتّموا أمهاتهم أو عاقبتهم السماء فخطفت أمهاتم منهم اليوم … سأمسك يدك وأريك عدد أصحاب الكروش الذين يسنّون أسنانهم ليفترسوننا هذا العيد وكل ذلك بحجة أننا يجب أن نسعدك

“إيدي على راسك والنبي كبّاسك” ألم أسعدك عندما أخبرك الطبيب بأنني نجوت من الموت بأعجوبة وكل ذلك بسبب المائة جرزة صوف التي غسلتها فكدت أن أختنق أنا ؟ … تقول القصة التي تعود إلى ماقبل الزمان أن والدتي قررت غسل مائة “جرزة ” أو كيس من الصوف لتنجدهم لاحقاً فما كان من جسدها إلا أن أمتص الكثير من المياه فكدت أن أكون ضحية الصوف .

على الرغم من أنك جميلة جداً ياماما إلا أنني لن أحتفل ولن أحضر حتى بتلة وردة .. لماذا عليي أن أحضر وردة وأنا لا أعلم إن كان أحدهم سيحضر لي وردة أم أنني سأكتفي بإنتظار أن يشفق عليي أولاد أخي فيأتون ليقبلونني ويكذبوا عليي بالعيد بعدما وزّهم أخي أن “يجبروا بخاطري حرام ” …

اللعنة على كل الأعياد إن لم أكن جزءاً منها

لن أكذب .. سأكون صادقة معك يا ماما علّ دعائك يكسر قيد النّحس

عناكب الثالثة وخمسون دقيقة

هل تشتم رائحة العناكب ؟

ليس لها رائحة ولكن سيصبح لها إذا ما رأيت شباكها متهالكة في الزوايا .. وقد تذهب لأبعد من ذلك وتشعر بدبيب أقدامها على كتفك أو تغوص لأبعد من ذلك فتشعرها تغوص في شعرك

يال خيبات الغبار المتراكمة في زوايا المدونة

هنا حيث كنت أشتهي الحب وأتعاطى الحياة … تركتها لأن الموت راودنا عن أنفسنا حتى ستة أشهر

ستة أشهر يارجل

في كل مرة كان يأتي منتحلاً شخصيّة مختلفة…

جاء في باديء الأمر على شكل طبيب بسمّاعة وأخبرنا بأن والدي مريض بسرطان الكبد وبدأ يتقافز من هيئة إلى هيئة , حاول كثيراً سحب والدي وحاولنا كثيراً أن نمسكه من يده

= ولكلٍ من إسمه كذبة … فمايو ليس كما يقولون بأنه شهر الإخصاب والخير وليس علينا أن نحتفل به إلا إن كان التسكع خمسة أشهر في أزقة المشافي يعد نوعاً من الإحتفال

منذ مايو وحتى نوفمبر ونحن نعيش دوامة ملك الموت … تخيّل بأنه حضر مرة على شكل بائع أزهار ومرّة على شكل شوكولاتة ملفوفة, حتى الأوكسجين لم يفلت من تحت قبضته فجاء متبختراً على شكل أسطوانة أوكسجين

لم يكن غيابك مؤلماً كألم الساعة الثالثة وخمسون دقيقة في اليوم السادس من نوفمبر – يوم وفاة والدي

لكن عدم وجودك هنا لتمسك يدي وتخبرني بأن كل شيء لن يكون على ما كان عليه ولكنني سأبقى أتأرجح بين “سأكون بخير أو سأكون في ضياع”  وفي الحالتين ستكون هنا أو أنك تشعر بالأسف لأجلي … شعور مؤلم له صوت خربشة الدبابيس في الروح.

حزينة لغيابك … جداً

إنبعاثات الوعي في زمن الثورة

 

وعي

 

ما زالت ذكرى الاعتقال لخمسة عشر طفلاً في درعا منذ عام ونصف هي الحدث الأهم في الثورة السورية في نظر الكثيرين . فعلى الرغم من شلال الدم وسيل الشهداء الذي لم ينقطع يوماً وغرق البلاد في موجة من المظاهرات , إلا أن هذه الذكرى لها وقع خاص في النفس .

منذ أربعين عاماً وتحديداً عند وصول الأب لسدة الحكم , حاول أن يزرع الأب في عقول الناس وهماً بأنه لا قوة لهم ولا صوت , وإستبدل تفكيرهم فبدل التفكير في مستقبلهم أجبرهم على الدوران في فلك رغيف الخبز وكيفية الحصول عليه , وبقوة البسطار العسكري محى لهم أصواتهم وكمم أفواههم . وربما لذلك لجأ الأطفال للكتابة لجهلهم المتوارث عن أبائهم بوجود الصوت , ومن هنا كانت شرارة الوعي الأولى في الثورة السورية والتي لم يكن يحتاج الناس لأكثر منها ليشعروا بقوتهم .

وتخوفاً من هذه اللحظة حاول النظام أن يفعل كل شئ ليؤخر قدومها إبتداءاً من محو الصوت مروراً بمحاولة التفكيك الإجتماعي للمدن الكبرى. فعلى الرغم من غياب التمييز الطائفي في سوريا إلا أننا نحظى بتمييز طبقي همّشت فيه الطبقة الوسطى وأبقي فيها على الطبقتين الغنية والفقيرة لتنهش إحداهما الأخرى .

ونتيجة لكل هذا حاول الناس أن يجدوا مصدرا آخر للتفاخر فظهر التمييز المناطقي بين أبناء المدن ليصبح بعدها على مستوى أحياء المدينة الواحدة ثم الحي الواحد وليس إنتهاءاً بالعائلة .

كل ماتم ذكره هي محاولة لتبسيط ما كانت عليه سوريا قبل عام ونصف , قبل أن تتفجر طاقات الوعي الشعبي , حيث هدم وجودها الكثير من هذه الجدران فاستشعرالفرد بقوة صوته وبتجبره مع الجماعة لنرى تبعاً لذلك قدرة عالية على التنظيم والتي انعكست على الأرض بالمظاهرات والتغطية الإعلامية والتنسيقيات .

واقتنع الفرد بأن التميز يكون على قدر العمل والتضحية فأصبحت العائلة والحي والمدينة تفخر بالأفراد لا العكس. ومن هنا انطلق الإبداع فأصبحت المدن تتنافس فيما بينها , فـكفرنبل على سبيل المثال قرية صغيرة لم يكن يعرف بها الكثير من السوريين ولكن بفضل شعاراتها والإبداع في المظاهرات والرسومات أصبح لها إسم ووجود في عقول الناس .

طال الوعي الكثير من المفاهيم فلم يعد هناك مكان لتأليه الأشخاص بل لتقدير الأفكار الجيدة وإنتقاد السيئة ونرى هذا جلياً في اللافتات والأعمال الفنية في المظاهرات التي أصبحت لسان الشارع والمكان الوحيد الذي يعرض مايمثلهم فلم يعد هناك أشخاص تمثّلهم بل أفكار .

وتمتد يد الوعي لتشمل الأطفال أيضاً فلقد أصبحوا قادرين على إدراك معنى الحرية ومعنى الظلم والقتل والحق والتي كانوا سيحتاجون لأعوام لإدراكها دون وجود الثورة. ومع كثرة الحديث عن تصحيح مسار الثورة فأنا أراها ليست بحاجة إلى تصحيح هي تسير بخط طبيعي خاصة بوجود كل ذلك العنف والدم الذي يحيط بها بل هي قادرة بفضل مخزون الوعي الكامن في نفوس أبنائها على توليد الحلول المناسبة .

من المضحك المبكي في عصر الثورات أن تسقط ورقة التوت عن عورة جهلنا ونكتشف بأن من يحكمنا لسنوات ليست الديكتاتوريات الوطنية الصنع إنما خوف يسكننا,الحرية لم تعد كلمة بل فعل يمارس .

تاء التأنيث المربوطة والمحذوفة

تاء التأنيث المربوطة والمحذوفة

“الثورة أنثى” هكذا يقال ويختلف سبب القول مع إختلاف وجهات النظر فالبعض يراها كذلك لأنها لا تتوقف عن العطاء والحب وهي قادرة على الابتكار والادهاش والتجديد دوماً كحال هذه الثورة,  أما البعض الآخر فيراها أنثى لأنها حملت لهم العار , ذاك العار الذي حاولوا بكل جهد أن يدفنوه في حديقة السلطة الخلفية وزرعوا فوقه الورد ليتناسوه فجائتهم به وستأتينا في المستقبل بالخفي الأعظم لتحول وجه هؤلاء أسودا ً كظيما ً فيحاولوا وأدها بكل ما أوتوا من قوة .

ويبقى السؤال الأهم هل اخذت الثورة من الإناث الاسم فقط ؟

منذ بداية الحراك وكانت محاولات الإناث في التواجد في المظاهرات تقابل برفض الرجال لهن بحجة الخوف وبأن المظاهرات هي أماكن خطرة على الرجال فكيف الحال مع النساء ؟

وعلى الرغم من كسر الإناث لاحتكار الشارع وإنخراطهن بالمظاهرات جنباً الى جنب مع الرجال إلا أن الأنثى بقيت ذلك الجندي المجهول المُغيّب عن الضوء , أما على الارض فإنك أينما اتجهت ستجدها منافسة للرجل ومتواجدة وبذات الكثافة ربما,   فهي الطريقة الآمنة  لنقل المساعدات الإغاثية لقلة الشك المرافق لها  وهي التي تخطط وتخيط الشعارات والأعلام وهي الناشطة على صفحات التواصل ولها يد في التمريض والمشافي الميدانية حتى أن المرأة البخاخة ظهرت كشقيقة للرجل البخاخ واختلط البخاخان حتى لم يعد يميّز بينهما أيهما الرجل وأيهما المرأة ومع كل ماستراه على الأرض فظهورها الإعلامي نادر حتى وإن كان على شكل شاهدة عيان “مثلاً” , حتى يكاد أن يُنقل لمتابع الأحداث في سوريا شعور وكأن هناك محاولات – لن أقول إقصاء فالكلمة فضفاضة وأوسع من الواقع –  تهميش متعمدة للأنثى .

ويكتمل المشهد بإتخاذ القرارت التي تتحدث بإسمها ,فتارة نجد البعض ينادي لتعريتها بحجة حمايتها من الإنقراض وما يقابلها من الدعوات بأسلمتها والغمز واللمز أن شعرها سبب من أسباب تأخر النصر متناسين أن حريتهم تنتهي عندما تبدأ حريتها وبأن هذه الأنثى قادرة على التمييز والإختيار وستكون راضية أكثر لو أنهم رفعوا شعارات بأنهم سيناصرونها مهما كان توجهها وإختيارها .

كل ثورة حدثت قبل الثورة السورية هي حدث مستقل عن الآخر ولا يجوز المقارنة بين هذه الثورات لاختلاف الظروف المكانية والقوى القمعية والتركيبة الإجتماعية لكل دولة إلا أن هذا لايمنع من مقارنة النتائج لتفادي الأخطاء وسأكتفي هنا برسم علامة إستفهام تاركة لكم حرية التفكر فيها .. هل تغير حال الإناث بعد الثورات في بلدان الربيع العربي ؟

كل ذلك يدفعني لأكون وجها لوجه مع كلمة “حرائر” والتي لم أستطع هضمها ولا تحملها – مع رفع القبعة لكل أحرف اللغة العربية – والسبب لايتخفى خلف ترتيبها الهجائي الذي يجعلها ثقيلة على اللسان ولا بغرابتها على الأذن ولكن لأنها تحمل مالا طاقة لها به , فالرجل عندما خرج لينادي بحقه السياسي أصبح “حرا ً” لأن هذا ماكان ينقصه فقط , أما المرأة فينقصها الكثير فهل هذه الكلمة تعطي لها حقها في إعطاء جنسيتها لأطفالها مثلاً ؟ أو هي جواز العبور لها للمساواة مع الرجل وبأن قاتلها سيحاسب حتى إن تخفى تحت شعار “الشرف” ؟ والقائمة تبدأ ولا تنتهي وحتى موعد الفصل وإعطاء المرأة السورية حقها وتصبح “حرة” حقاً أتنازل عن هذا اللقب وأرضى بأن ننعت “بثائرات” كما كنا .

“الثورة الأنثى” لم تبدأ بعد .. وينتظرنا في سوريا الغد الكثير من العمل لتأخذ تاء التأنيث حقها وتصبح “الحرائر” حرائر حقاً.

صـنـاعـة الوحـش

صناعة الوحش

تبدو اللغة أحياناً صامتة صماء وكأن لاحرف فيها إذا ماحان موعد التعبير عن بشاعة أمر ما . فحتى كلمة كـ “بشعة” التي تُرسم دون حدود والتي تحتضن الكثير من الحوادث داخلها تغدو قاصرة أمام جسيم الحوادث ولكننا لانجد سبيلاً سوى إستخدامها وكذلك الحال مع كلمة “وحش” .

ويطال الظلم في اللغة الحيوان أيضاً فيلصق كصفة لكل أفعال الانسان اللامنطقية والتي ينأى الحيوان بنفسه عن مانفعل . فسياسة القتل والإفتراس – التي من المضحك المبكي أن يحتل فيها المنادي بحقوق الحيوان المركز الأول – لاتحدث في الطبيعة بعشوائية أو بهدف المتعة بل بدافع الجوع , حتى سياسة التشفي من الضعيف نادراً مانجد لها ذكراً في عالم الحيوان , وفي ذلك يذكر لنا ممدوح عدوان في “حيونة الإنسان ” نقلاً عن ريمون آرون ” قد يحدث للذئاب أن تقتتل في مابينها , ولكن رادعا غريزياً يحول من دون إقتتالها حتى الموت , فالحيوان المقهور الذي يسلم عنقه لأنياب خصمه لايجهز عليه خصمه ” .

وقد يكمن العذر بتشبيه الإنسان بالحيوان في لحظة ما بسبب حجب العقل عنه أثناء قيامه بالفعل لا بحجة غياب المشاعر .

فسوداوية صور المجازر التي لايلمع فيها إلا صوت حفيف السكين على أعناق الأطفال ولا يرى فيها إلا رائحة الدماء المتبقية على ملابس الجناة لاتدع مجالاً للشك بأن مرتكبها يغرق في نشوة تدفعه الى المسارعة للقتل وكأنه في موعد للقاء المحبوب لتختفي أي إحساس بتردده للحظة بالإندفاع للأمساك بشعرالضحية ورفع عنقها عالياً . فهذا الهوس المغيّب للعقل لايوصف إلا بنشوة تعتري الإنسان وإن غابت الحبوب المخدرة عنه فلابد من وجود رغبة محقونة في مكان ما تهتاج لها مشاعره .

إن المتتبع لخط المجازر في سوريا يلحظ تطور أسلوب القتل في كل منها , ففي البداية كانت المجازر تحدث عن بعد وبأسرع طريقة ممكنة كإطلاق النارعلى الضحية مما يعني إحتكاك أقل بين القاتل والقتيل و ذكريات قصيرة الأمد وربما كانت هذه أولى خطوات تربية الوحش إذ تكمن الصعوبة في الجسد الأول المترنح تحت غضب طلقة ورجفة مطلقها , ومع تكرار الإطلاق تصبح اليد أكثر ثباتاً وترتفع نسبة إصابة الأهداف . وكلما صغرت المسافة بين الإثنين كان دليلاٌ على تقزم الإنسان في داخل القاتل أمام الوحش الذي أصبح بحجم إنسان .

مع كل هذا فإن أعتى القتلة وأكبر الوحوش سيتردد لحظة قبل أن يمسك بمقبض سكين ليجز عنق طفل بلل سرواله من الخوف , من هنا يظهر ضعف القاتل والذي يرى في طفل أو إمرأة عدو مرتقب يهدده بجز حياته فيسبقه للحفاظ على نفسه بجز عنقه .. ألم تشتموا أنفاس نظام طائفي بعد؟

بعد أن فشل النظام في بث السم الطائفي من خلال الرصاص وقذائف الهاون يحاول الآن بكل ما أوتي من ظلم أن ينشر الطائفية بالسكاكين والبلطات التي سلّح بها خائفون أو قتلة متمرسين ولافرق بين الإثنين بعد المجازر .

لماذا السكاكين ؟

يظهر تورط النظام ومحاولته إستدراج المجتمع السوري الى مستنقع الطائفية في عدة مواطن منها مثلاً إعتماده على الأخطاء والجهل في الثقافة الشعبية والتي يتناول فيها الناس أن قتل الشيعي لسني هو صك لدخول الجنة , وبأن الوسيلة الأفضل لهذا الإرسال تكون عن طريق الذبح بسكين والتي لا دليل على صحتها في معتقدات الطائفة الشيعية , هذا عدا عن شهادات الناجين من المجازر واللذين تحدثوا عن ترديد القتلة لكلمة “ياعلي” قبل كل عملية ذبح وكأنها شعيرة دينية تردد على رأس كل ضحية لا كجريمة يقف ورائها الحقد .

وبالإضافة الى المعتقدات الشعبية فاختيار الموقع الجغرافي لكل مجزرة سياسة ممنهجة يتبعها النظام فالصفة الغالبة للقرى أو الأحياء التي تقام عليها المجازر أن تكون من طائفة الأكثرية المحاطة بأحياء أو قرى علوية .

وعلى مقدار وعي الشارع وردة فعله يكون التصعيد والهمجية في المجزرة التالية والتي لاتبعد عن سابقتها أكثر من بضعة أيام في ظل غطاء من التواطؤ العالمي مع إتباع ذات الإسلوب في كل مجزرة , وعلى الرغم من وعي الشارع فإن على المثقفين وأصحاب التأثير أن يعلوا صوتهم اليوم أكثر من أي وقت مضى فالمجازر المرتكبة محاولة لتغذية الوحش في داخلنا ليكبر وإن تمنع الشارع للإستجابة مرة وإثنتين وثلاثة قد ينهار في الرابعة مالم تقابل هذه الهجمة النظامية بحملات توعوية مقابلة .

الوحش النائم سيلعن الله من يوقظه ..

بين الصفحات .. وأٌخر متشابهات

....

(1)  بين الصفحات

الأُمنية ليست كلمات نتمتم بها يسرقها الهواء ليرميها في البحر , بل هي بذور نزرعها في الحياة قابلة للنمو وقد تصل فروعها للسماء .

قبل فترة ليست بالطويلة كنت أتصفح موقع "صفحات سورية" وتمنيت أمنية أن أكون هنا بين هذه الصفحات وعندما راسلني الجميل "حسين الشيخ " عارضاً عليي أن أستلم رئاسة التحرير لمدة شهر أصبت بصدمة لمدة نصف ساعة بقيت فيها أعيد قراءة ماكتبه . هذا العرض كان بمثابة ممارسة لإيماني بالأمنيات وبأنها بترتيب معين لاتدخل بها يد البشر قد تتحقق.

ما جعل هذه التجربة أجمل هي مزامنتها مع الثورة السورية بداية التاريخ السوري الجديد والتي جعلتني أشعر بأني قريبة من الحراك أكثر .. أشعر بنبضهم حتى إن كنت على بعد الاف الكيلومترات .

كل يوم أحد كان صافرة لنهاية ماراثون لملاحقة الأخبار لينطلق في اليوم التالي صافرة العمل من جديد . هذه التجربة أضافت لي الكثير وستبقى معي في ذاكرتي دوماً .. أتمنى لهذه الصفحات أن تصبح يوماً ورقية وأن لاتكتفي بالأشعة الإلكترونية لأنها حتماً ستساعد ببناء سورية الغد .

(2) إنشق .. ما إنشق ؟

هل الثورة غسالة إذا مادخلت في قلب الإنسان قادرة على جب ماقبلها من أخطاء ؟

نعم أنا أتحدث هنا عن مناف طلاس ومن سبقه ومن سيأتي بعده .. هل إنشقاقهم هو طهر قادر على محي الدماء من عن أياديهم ؟ . أعلم بأن باب الثورة مفتوح ولن يغلق حتى يسقط الطاغية من على كرسيه ولكن هل سنسامح وننسى ؟ !

(3) الثورة لاتنتصر بالكذب

عروض الصيف في سوريا مغرية .. هنا فقط كيفما مت ستُتبع بصفة شهيد إن كنت من " الشعب " فأنت ستتبع بصفة شهيد وإن كنت من "عصابة النظام " فستتبع بصفة شهيد أيضاً من قبل العصابة التي تعمل معها وفي كلا التشييعين سيطلق النار أيضاً سواء على المشيعين أو في الهواء

ربما رياح التغيير السياسي التي تعصف في سوريا هي من تجعل هذه الصفة تتطاير لتتلاصق مع أي قتيل يسقط من الطرفين أو حتى خارج هذين الطرفين وأقول هنا خارج هذين الطرفين لأن هناك جهة ثالثة بدأت تُوارى تحت الثرى تحمل ذات الصفة .. وقد تكون في الأغلب قد ذُبحت بيد أحدهم لثأر ما ..

وحتى يتضح تماماً ما أقول سأضرب مثلاً قصة الشاب الي وُجد مقتولا برصاصة في الرأس على أطراف إحدى المدن الكبرى – وأغلب الظن أن يكون أهل الفتاة التي أخذها "خطيفة" هم من قتلوه – لكن الصفحات الثورية بدأت بتناقل صورته واسمه على أنه شهيد قتله النظام .. هذا لايبرئ النظام من دم عشرات الالاف من السوريين لكن يبرئها من دم هذا الإنسان .. الثورة التي تقوم على الكذب يجب أن لاترتدي الكذب حتى لاتضيع وتفقد ماقامت من أجله .

(4) الأقصى لمن ؟

هو القضية التي لاتنام منذ أكثر من ستين سنة

عندما طلبت منه أن يخرج من سوريا صرخ في وجهي " ولمن سأتركها ؟ هذه الأرض لي وأنا لا أترك ماهو لي "

إذن الغياب صك تخلي ولو اُرتكب من دون قصد .. الأقصى ثالث المساجد التي أمر المسلمون بشد الرحال إليها متروك اليوم دون زيارة والحجّة الجاهزة حتى لاندخل في تطبيع مع إسرائيل لأن الزائر عليه أن يحمل الختم الإسرائيلي , لكن ألا نستطيع أن نتحمل الختم على أن نترك الأقصى وفلسطين لهم ؟

قد يكون الحديث عن الحنين للأقصى وفلسطين اليوم في خضم المجازر وشلال الدم السوري المراق خارج سياق الحدث إلا إنه كالألم الخفي الذي علينا تذكره كل يوم حتى ونحن نقتل .

نشرت هذه التدوينة في صفحات سورية أيضاُ ..