الوقت يتآكل كلما إحترقت أوراق التبغ، والجنون الذي يلف رأس الكوكب الميت سريرياً لم يبدأ بعد، الصداع الذي ينتج الأرق لا يحُتمل وكل المسكنات الكيميائية لا تفلح في إيقافه لثواني معدودة، حتى في ذروة التقزز الذي تتملكنا من كل شيء، لا يمكن أيقافه إلا بسيل من الأفكار الذي خلفها موت جرذ بداخلنا، رغم أن الحنين إلى الجنون في هذه الحالة يغدو أبدياً إلا أنه يبدو أكثر فعل عقلاني في ظل الإهتزازات التي تضفي معنى إلى تلك الأيام واللحظات المتراكمة منذ البداية. إن الإحساس الفعلي بمرارة الأيام وإكتظاظ الأفعال يتساقط أمام الفراغ الذي يخلفه النجاح، والتهرب من حتمية وجود مصير ما يغدو مناخاً لائقاً بما يكفي لفعل شيء قيم بذاته أو نذره للعدم.
الحبل المعلق في رأسي كان آخر المحاولات لقتل الإيمان لشيء بعينه، والإنتظار الذي علقت به نفسي كان أول المحاولات السيئة للتفائل بالمستقبل. الموت المعلن في إنتظار “حلم الخلاص” ليس سوى سراب، تتخايل فيه الحقيقة التي تسير بها ديمومة التاريخ وسريانه في الشرايين الأولى للكائن البشري، فعندما فشلت الأدوية في إنقاذ آلاف البشر، أصبح التضرع إلى الغيب مذهباً قيماً يصلح لإعادة تدوير التفائل وإنتشاره كعدوى.
بضعة أسئلة وورقة إمتحان كاملة هي كل ما يلزمني لأصعد درجةً واحدة على سلم التطور البشري، الحل الوحيد، هكذا أخبروني قبل أن أبتعد مسافةً ودهراً، أن أنتشر في غابة العزلة واللامبالاة في مواجهة المخزون الكبير من التعاسة الكونية وفي مواجهة أشباح الإحتراق من القوى المظلمة، أن ترتجل فعل الكتابة أي “أن تدين ذاتك في جلسة محاكمة” كما يقول هنريك إبسن، تخاصم العالم وتضيف سحراً إلى الهوس بالموت في أي لحظة خارج تلك الدوامة، أن تعري وتفضح، تخلق القدرة على الإدراك الطفولي للأشياء وفهمها، أن تنتقل من جزيرة إلى جزيرة مخلفاُ وراءك الكثير من الفوضى، أن تحيل الواقع إلى قطع صغيرة من الجحيم وتنثر رمادها من فوق جبل، إنها الترجمة النهائية لـ أن “تضع العالم في مؤخرتك غير مبالٍ بعد ذلك” كما فعل كثيرون قبل ذلك.

