Archive for 24 جويلية, 2012

قطع صغيرة من الجحيم

جويلية 24, 2012

 الوقت يتآكل كلما إحترقت أوراق التبغ، والجنون الذي يلف رأس الكوكب الميت سريرياً لم يبدأ بعد، الصداع الذي ينتج الأرق لا يحُتمل وكل المسكنات الكيميائية لا تفلح في إيقافه لثواني معدودة، حتى في ذروة التقزز الذي تتملكنا من كل شيء، لا يمكن أيقافه إلا بسيل من الأفكار الذي خلفها موت جرذ بداخلنا، رغم أن الحنين إلى الجنون في هذه الحالة يغدو أبدياً إلا أنه يبدو أكثر فعل عقلاني في ظل الإهتزازات التي تضفي معنى إلى تلك الأيام واللحظات المتراكمة منذ البداية. إن الإحساس الفعلي بمرارة الأيام وإكتظاظ الأفعال يتساقط أمام الفراغ الذي يخلفه النجاح، والتهرب من حتمية وجود مصير ما يغدو مناخاً لائقاً بما يكفي لفعل شيء قيم بذاته أو نذره للعدم.

 الحبل المعلق في رأسي كان آخر المحاولات لقتل الإيمان لشيء بعينه، والإنتظار الذي علقت به نفسي كان أول المحاولات السيئة للتفائل بالمستقبل. الموت المعلن في إنتظار “حلم الخلاص” ليس سوى سراب، تتخايل فيه الحقيقة التي تسير بها ديمومة التاريخ وسريانه في الشرايين الأولى للكائن البشري، فعندما فشلت الأدوية في إنقاذ آلاف البشر، أصبح التضرع إلى الغيب مذهباً قيماً يصلح لإعادة تدوير التفائل وإنتشاره كعدوى.

 بضعة أسئلة وورقة إمتحان كاملة هي كل ما يلزمني لأصعد درجةً واحدة على سلم التطور البشري، الحل الوحيد، هكذا أخبروني قبل أن أبتعد مسافةً ودهراً، أن أنتشر في غابة العزلة واللامبالاة في مواجهة المخزون الكبير من التعاسة الكونية وفي مواجهة أشباح الإحتراق من القوى المظلمة، أن ترتجل فعل الكتابة أي “أن تدين ذاتك في جلسة محاكمة” كما يقول هنريك إبسن، تخاصم العالم وتضيف سحراً إلى الهوس بالموت في أي لحظة خارج تلك الدوامة، أن تعري وتفضح، تخلق القدرة على الإدراك الطفولي للأشياء وفهمها، أن تنتقل من جزيرة إلى جزيرة مخلفاُ وراءك الكثير من الفوضى، أن تحيل الواقع إلى قطع صغيرة من الجحيم وتنثر رمادها من فوق جبل، إنها الترجمة النهائية لـ أن “تضع العالم في مؤخرتك غير مبالٍ بعد ذلك” كما فعل كثيرون قبل ذلك.

مسمار صدئ في نعش المدينة

جويلية 7, 2012

 الشعور بالزخم يتطاير في الهواء كرائحة البنزين، والملل “الطبيعي جداً” يكبر بصورته أمام الكتب والكتابات التي تهدم المعبد وتلغي فعل السماء من مباركة بجاحة البشر، المبالاة  والرغبة في فعل شيء جيد ذو قيمة لم يعد موجوداً، فقط أتحامل على الأفكار أن تتنازل عن وقاحتها أمام أرضية الواقع الصلفة دون كبح الجماح للخيالات، التوقف عن الشعور بخيبة الأمل والبدء في اللهو واللعب، محاولة الدخول إلى شيء جديد كانت وما زالت ترعبني دائماً، مصادقة أشخاص جدد والتقرب منهم مرعبة، تجربة مكان جديد، الإستماع إلى لون موسيقي جديد، ممارسة العادة السرية دون أن يلاحقها من الإحساس بالذنب والإحتقار، أن أكون دخيلاً كحشرة، كمسمار صدئ في نعش مدينة ولو لمرة.

عندما عرّفوا الغباء بأنه فعل للشيء نفسه مرتين لم يخطر ببالهم أن يعرّفوا الجنون، إنه فعل الشئ مرة واحدة بدون إكتراث للعواقب، الفعل الأجمل والأوحد الذي عرفته البشرية.

ينقطع تسلسل الأفكار لمرتين، ماذا بعد كل شيء؟ وماذا بعد الشيء؟ ماذا بعد الخلق وبعد سفر التكوين؟ ماذا بعد نتائج العبث؟

 لم أستمع للموسيقى الكلاسيكية منذ فترة، كانت تأتيني في آخر الليل وتبوح لي بأشياء كثيرة، عن إبنة الجيران التي لم تعجبني يوماً، عن الإزدواج للحياة والموت، عن الإنفصال الدائم بين الأبدية والواقع. بعد أن أفرغتُ زجاجة نبيذ إيطالي من محتواها، تتضح إلي مزاجية بيتهوفن، لكن يتراءئ شوبان على بعد مرمى من حجر، وأمام البصر يتخايل لي باخ هادئاً معتاباً السماء للمرة الألف على غير عادته، تتواجه موسيقاه وأفعال النذر لله والسماء. إنني أحلم بجو ماطر، على العشب أو على سفح الجبل، وكورساكوف خارج الحانة يهذي بحب الطبيعة ويشكرها على فضلها في خلق التناغم أمام البشرية لممارسة فعل الموسيقى.

*****

 بعد أن تصيبني معادلاتهم الرياضية بالغثيان، أقتلع عيني لأستريح قليلاً، لا أتنفس سوى نفسي، أبصق روحي بجانب كشك سجائر على رصيف الشارع، أندفع مع تكاثف الماء على سطح زجاجة باردة، أتعلم التسول من رسول جاء في القرن الثالث للميلاد، أتسول التاريخ في قاع الزمان. لي صديق من فارس، يخبرني أن الإله هو الراقص الأكبر على جرحنا، وأنا جالس أشاهد الفتاة المحجبة تمسك بيد صديقتها الأخرى، تهمس لها بكلام كثير أمام شاطئ البحر وتبتسم في مشهد يطيب لي كثيراً بدون إفتراضات.

*****

تتأجج العبارات وتتداخل …

Image

العشاء الأخير لمقاتلي مخيم جنين قبل الإجتياح الإسرائيلي – 2002

ولأن الذكرى أرجوحة العقل. ينهي الحورايون عشائهم الأخير من دون مسيحهم فالتاريخ لا يحتاج للإبتذال مرة أخرى، التاريخ مصاص الدماء، ومن ثم تأتي فدائية البيت العجوز لتخبرهم بأن الحنين إلى الموت مؤقت، إنه مزيف، إنه تحول في الحنين إلى كيمياء الدم بعيداً عن الروح، تصمت قليلاً وتكمل نحن لا نحتاج إلى ذريعة لنحملها معنا، نحن أسياد الأرض، وحدها الديانات من تحتاج إلى الآلام لتعذبنا، وحدها تجرنا إلى حيث تريد، لا تكونوا جلادين ولا مصلوبين أيضاً إنه دمنا هذه المرة، دم المسيح لم ينتصر، خلق الخرافة وتخلد في جوف السماء. تتكاتف البيوت الصامدة في أول المخيم و أسطورة “جنين” أمام التاريخ، ردة من الدين الأول إلى دين أرواحهم، مع صوت الرصاص وصوت العبوات الناسفة، تناسق الإنفجارات ومن ثم لا دور للمنتصر بعد فناء الأسطورة.

مشاريع مؤجلة

جويلية 2, 2012

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

في البدء كانت الصرخة، ثم كانت التشققات الراسخة في حائط البشرية والإنسانية جمعاء. أولئك المزعجون الذين لا يكفون أبدا، كازنتزاكي مثالاً في يومياته: (لكل إنسان صرخته الخاصة، ترتفع في الجو قبل أن يموت. لذا علينا ألا نضيع الوقت لئلا يفوتنا الأوان. أنت إنسان ولست نعجة وهذا يعني أنك شيء قلق وصارخ فلتصرخ إذن! إن قسمة الإنسان كامنة في شيء واحد فقط: ان يعيش ويموت بشجاعة دون التنازل عن قبول أي جزاء).

 المشهد التالي يتكرر في رأسي منذ عام ونيف، وقتها لم يدر في ذهني أن أحتقر المدن الصغيرة أكثر من ذلك، أن أجدد الكراهية، أن أفهم ما يجري هناك:

  وقفنا على تل المنطار (أعلى منطقة في المدينة)، يحدثني الرجل الغريب عن المنظر المعتاد لمدينة غزة، يقول لي: إنظر إلى هذه الكتل الإسمنتية، “غزة مدينة الكتل الإسمنيتة”، “فيش فيها ولا شجرة بعكس القاهرة اللي مليانة شجر رغم فجاجة إزدحامها وزخم الحياة فيها”. يعترف الرجل بسقوط الأسطورة التي تخلقها الشعوب لنفسها في عدم وجود شيء، في ظل تحلل المشهد الذي تسقطه من الماضي على واقعها المهزوز والمملوء بشيزوفرنيا التفكير والتصرف، يصمت الرجل، ثم ينسحب إلى مكب النفايات ليرى عالم آخر، يتحلل، أو يلتقطه طائر يعبر به الحدود إلى التلة الأخرى.

  منذ ولادة الأزمة في عام 2006، الإيقاع المؤقت ذو الوجه الواحد فرض نفسه منذ أعوام ليس بقاتل وحسب، وإنما أشبه بكائن طفيلي، ينشأ من العدم، ثم يبدأ دورته الحياتية على ربوع الكوكب المغلف كعلبة السردين، ينهش في عمر البشرية، يتكاثر، يتبرز، ينتج ما ينتج حتى الموت. تتواجد البكتيريا في الهواء لكن في سكون، تتكاثر بأنواعها، تتخايل إلي في داخل الشقوق التي تملأ الجمجمة، رغم كثرتها لا تمثل شيئا وأنا ما زلت صغيراً أحدثها وأحسب أني أراها في تتطاير في إختراق أشعة الشمس للهواء.

ما حدا شريك حنا ..

الوقت: منتصف الظهيرة، لقد حان موعد الكهرباء، يبدأ التلفاز في عرض نشرة أخبار الجزيرة والمشهد السوري يطفو على السطح كجثة هامدة بلا حراك لحساب أشياء أخرى بما أن هنالك متسع من الوقت، الفواصل الإعلانية القاتلة التي تعرضها قناة الجزيرة: مشهد لجبران خليل جبران وكلمات مكتوبة “ماذل لو إحتفظ بحكمه لنفسه؟” ثم شعار شركة قطر للغاز. كل ذلك يأتيكم برعاية النفط والغاز الخليجي.

 كل ما يشغل رأسي الكثير من المشاريع المؤجلة، تتزاحم بالقرب من آخر سنتميرات في الجمجمة بجانب أرق التخرّج، تتكدس، أبناء الزواني والعاهرات يتمايلون فرحاً بإقتراب العقارب من بعضها وإقتراب لحظة إنفراج العالم على مصراعيه، وبعضٌ أخر يتشبث بحتمية “القضاء والقدر”، لكني لا أملك الرغبة في قضاء الوقت أو الرقص حتى، لا يهم.

  على لسان صديقي “علي”

“إن النص الخارج من القلب إلى المساحة المعبدة بتفاصيل بيضاء كثيرة، أقوى من فوهة البندقية في رسم معالم الطريق ،يتحايل النص على كاتبه ويخرج عنه في أحلك اللحظات التي لا يستطيع إحتمالها، ليعود بعد أن يحارب قوياً، هكذا كانت البداية وهكذا ستظل”.


تصميم موقع كهذا باستخدام ووردبريس.كوم
ابدأ