خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

تونين البرجي.. المالطي الذي تعرّب في ضيافة شعر  الملحون

تتشارك هذه الشهادات كلها في بناء صورة شبه أسطورية لرجل كأنه أعجوبة من أعاجيب الزمان، ليس فقط بسبب ذاكرته القوية وإبداعه الشعري في اللسان العربي الدارج، وإنما أيضاً لأصله الغريب، الأجنبي، الأوروبي، والمالطي تحديداً
ــــــــ ماضي مستمر
8 يوليو 2026

في صيف عام 1943، إثر جلاء قوات ألمانيا النازية عن الأراضي التونسية بعد احتلال عسكري دام حوالي ستة أشهر، نزل «بابا عزيز» من داره، وركب سيارة فورد مجهزة بمُكبّرَيْن للصوت أخذ يجوب بها شوارع العاصمة، وقد كُلّف بمهمة خطيرة. يومها كان بابا عزيز- وهي الكنية التي كان يُعرف بها الصحفي والمذيع التونسي الكبير عبد العزيز العروي (1898- 1971)- قد عاد للتو إلى منصبه في هيئة الإذاعة التونسية، بعد أن طرده منها المحتل النازي عقاباً له على تمرده ورفضه الانصياع للأوامر. ويشاع، أن المهمة الجديدة التي مُنح بابا عزيز من أجلها سيارة الفورد، هي الطواف بين مدن المملكة التونسية وقراها، مذيعاً خطباً دعائية أملتها عليه السلطات الفرنسية الراغبة آنذاك في إعادة بسط سيطرتها، إعلامياً وأيديولوجياً، على كامل تراب البلاد. ومع ذلك احتال بابا عزيز على رؤسائه، فبدلاً من ترويج بروباغاندا المستعمر، سخّر سيارته الإذاعية لأغراض توعوية بحتة تتعلق بالصحة العمومية، حيث وزّع بين الأهالي معلومات مهمة عن كيفية تفادي الأمراض المعدية مثل التيفوس، والتراخوما، والكوليرا وغيرها. قبل أن يختتم إذاعاته هذه دوماً بإلقائه شعراً ملحوناً يقول طالعه:

آش دخلك للحرب يا كومباري / واش باش تعمل اليوم، كوزا فاري؟

وترجمته بالعربية الفصحى: «ما الذي أقحمك في الحرب يا رفيق؟ وماذا ستفعل اليوم، أي شيء سوف تفعل؟». كان الغرض من هذا البيت التهكم على فلول الفاشية الأوروبية، وبالذات الديكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني، الذي أصبحت إرهاصات سقوطه بادية للعيان. وفي ظرف أسابيع قليلة، وبحسب ما يروي الكاتب والناشر محمد تركي، صارت هذه القصيدة «تنشدها تونس كلها»، إذ وقعت في نفوس الشعب موقعاً حسناً، وأثارت مكامن الشماتة والغيظ ليس فقط تجاه الفاشية الإيطالية، وإنما ضد الاستعمار الأوروبي بشكل عام.

ومع ذلك، فإن حديثنا اليوم ليس عن العروي الذي سيمسي خلال السنوات اللاحقة أهم نجم في الإذاعة التونسية والوجه الثقافي الأبرز لدولة الاستقلال، وإنما عن شخص مجهول، هو مؤلف البيت المذكور أعلاه. والذي وإن كانت سيرته تتزامن وتتقاطع مع سيرة العروي، وإسهاماته الأدبية قد لا تقل عن إسهامات الأخير في حفظ وصياغة الموروثات الشعبية التونسية في عصرَيْ الاستعمار والاستقلال، إلا أنه يكاد يكون منسياً اليوم، مغموراً لا يعرفه سوى قلة من المهتمين المتبحرين في تراث الشعر الملحون. اسمه أنطوان بورج «Antoine Borg» أو «تونين البرجي» حسبما يُعرف في قصائده وقصائد من مدحوه أو هجوه، والذي عاش بين حوالي (1880- 1960). والمفارقة، أن البرجي هذا، لم يكن عربياً مسلماً، إنما هو «رجل أوروبي»، مسيحي من أصل مالطي، تتلمذ على فحول الشعر التونسي، كما ربّى جيلاً جديداً من كبار الشعراء في شمال أفريقيا. شاعر غريب الآفاق، يغري تتبع خطاه باكتشاف سيرة أدبية فريدة، قادرة أيضاً على تفكيك العديد من المسلمات المغلوطة المتصلة بالحدود الثقافية والسياسية المتخيلة بين مختلف شعوب المتوسط. سيرة مفتاحها الهجاء، ذلك اللون الشعري القادر على تجاوز ثنائيات الأنا والآخر، والعربي والأعجمي، والقومي والغريب.

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

من هو تونين البرجي؟

لا نكاد نعلم أي تفاصيل مؤكدة عن حياة تونين البرجي: أين ومتى وُلد، ما هي أصول أسرته وأي مهنة غير الشعر زاولها، وكيف ومتى كانت وفاته. تقتصر المعلومات القليلة لدينا على بعض الإشارات المتفرقة هنا وهناك في أبحاث المستشرقين والتونسيين في مجال الأدب الشعبي، فضلاً عن بعض الشهادات والذكريات التي تفضل بها هواة ومتخصصون على رأسهم الباحث المخضرم علي سعيدان، وكذلك حساب فيسبوك باسم مستعار هو (علوي بصير للبارود). ومن أهم المصادر التي وقعت بين أيدينا مقالة قصيرة نشرت عام 1951، في جريدة (الزهو) التونسية، ومنها نقتبس:

تونين برجي

هو اسم لرجل أوروبي، أصيل مالطه، لكنه من نبغاء الشعر القومي الذي له تأثير عظيم في بعض الطبقات.

عرفته بالسمع منذ نعومة اظفاري، إذ كان والدي (أي المحرر وشاعر الملحون الكبير عثمان الغربي، (1847- 1943) رحمه الله يحدثني عنه وعن نبوغه، وعن محفوظاته وعن جمعه لجميع دواوين الشعراء الأقدمين. وحدثني كثير من معارفي وأحبائي حتى تاقت نفسي لمعرفته والاطلاع على مخبئاته وفكرته.

كنت يوم الأحد الماضي في انتظاره فانتظرته طويلا لأنه كان بالكنيسة يؤدي واجباته الدينية ولاقيته(هكذ) عند المساء. فإذا هو رجل وقور يناهز عمره الخامسة والستين، فصيح اللسان لطيف العبارة على جانب عظيم من الفضل والأدب.

طلبت منه أن يقول شيئا مما يعرفه عن الشعراء الأقدمين، فبادر حالا بفتح كتاب ضخم مخطوط بالأحرف اللاتينية وأخذ يسرد قطعة ذات 196 بيتا من منظومات الشاعر الشهير أحمد بن موسى (أحد أعلام الشعر الشعبي التونسي في القرن التاسع عشر). ثم طلبت منه أن يذكر شيئا من منظوماته الخصوصية، فأجاب طلبي وأخذ في سرد هذه القطعة الغزلية البديعة:

(…)

وعلمت بعد ذلك أن تونين برجي له خزانة من الشعريات لا يكسبها سواه وأنه لا يتوانى في اقتناء كل ما يبلغ إلى علمه من الشعر القومي وأنه تلميذ الشاعر الخالد العربي النجار، الذي ما زال يعترف له بالأفضلية والفضل العظيم. 

(…)

ما نستقيه من هذا النص، صورة فنان مقدّر وموهوب لم يكتفِ بعملية تدوين وحفظ لأشعار من حاضر الملحون وماضيه، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ ألّف و«نبغ» في هذا المضمار الأدبي المسمى بالـ «قومي». وهو لفظ يُفترض أن يكون حكراً على مجموعة قومية دون غيرها. هذا «النبوغ» الغريب يشهد به أيضاً الأديب والمتخصص في الأدب الشعبي محمد المرزوقي (1916- 1981)، ويمتد ليتجاوز التونسيين نحو معاصريه من المستشرقين. ففي مجلة (إيبلا) الصادرة عن  معهد الآداب العربية في تونس، ضمن مقالة حول الحِكَم والأمثال الشعبية نشرت عام 1939، يقول المستشرق الفرنسي غوستاف مرسييه:

«إن مجلة IBLA لَتَدِينُ للمسيو Antoine BORG بالنصوص الواردة في هذه المقالة.

إنه من حسن حظنا أن نجد في تونس ذاكرة لا يخشى عليها من الوهن والقصور، كمثل ذاكرة المسيو بورج التي تتسم بالنجابة والنبوغ. ومن الصعب حقا إحصاء عدد الأبيات التي خزنتها بدقة ووفاء على مر خمسين عاماً من الاتصال اليومي بالتونسيين.

ويطيب للشعراء الشعبيين في المملكة أن يشيدوا به وبذاكرته، فقد سمعنا الشعراء، من بنزرت إلى قابس، يقولون أكثر من مرة: (سأعطيك هذه القصيدة كما أتذكرها أنا، لكن إذا أردتها كاملة دون أخطاء، فاطلبوها من تونين البورجي الذي يسكن في تونس العاصمة، إنه يعرف كل شيء)».

تتشارك هذه الشهادات كلها في بناء صورة شبه أسطورية لرجل كأنه أعجوبة من أعاجيب الزمان، ليس فقط بسبب ذاكرته القوية وإبداعه الشعري في اللسان العربي الدارج، وإنما أيضاً لأصله الغريب، الأجنبي، «الأوروبي»، المالطي تحديداً. شاعر تعدّى الأسوار الأيديولوجية العالية التي لطالما جاهد في سبيل إنشائها طرفان: القومية المالطية المسيحية، الرافضة رفضاً عنيفاً لـ «شبهة» العروبة والإسلام، والطرف الثاني، بعض حرّاس الهوية العربية الإسلامية، لا سيما أولئك الذين يرون في مالطا رمزاً مصغراً للعالم الآخر الكافر، كما جاء في بيتين لشاعر من كبار شعراء الملحون خلال القرن التاسع عشر، هو الشاعر  منصور العلاقي، يتحدى فيهما خصومه بالنفي إلى مالطا، معقل الكفار:

اللي جاني وطالب الفدويّة / إذا ما يقصّر نسخطه بخيار

نرميه في جوبة تكون خليّة/ في مالطة يسكن مع الكفّار

تتضاعف هذه الغرابة أكثر نظراً لأن الشعر الملحون- الذي أطلق عليه في القرن العشرين اسم «الشعر القومي» وأخيراً «الشعر الشعبي»– بات مرادفاً -لدى بعض المهتمين- لمعاني الأصالة والقومية الخالصة من كل أثر أجنبي، لا سيما في زمن صعود الحركة الوطنية أيام الاستعمار الفرنسي، ثم في بدايات عهد الاستقلال سنة 1956، حين اعتنت الدولة تحت رئاسة «الزعيم» الحبيب بورقيبة، بالشعر الملحون باعتباره مستودعاً أصيلاً وحصناً للهوية القومية التونسية، في مواجهة موجات الثقافة الوافدة. في هذا السياق يكون لفظ «شاعر شعبي مالطي» نوعاً من أنواع النشاز! 

وبالرغم من تمكّن تونين من الخروج من قفص الهويات المغلقة التي ولد فيها، إلا أن الغموض يلف ما بقي من آثاره أيضاً، إذ وعلى الرغم من كل هذه الأصداء والانطباعات، لم يخلّف لنا نصوصاً منشورة، كما أنه يكاد يغيب كلياً عن المدونة المكتوبة للشعر الملحون التونسي. ففي قسم المخطوطات في المكتبة الوطنية التونسية الحاضن لنحو 160 مجلداً مخطوطاً من دواوين الشعر الملحون، المجمعة من طرف وزارة الثقافة، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لم نعثر أثناء بحثنا سوى على أربعة أو خمسة أشعار قصيرة من نظم تونين، فضلاً عن بعض المقتطفات التي وجدناها في مصادر أخرى. أما ذلك «الكتاب الضخم المخطوط بالأحرف اللاتينية» الذي ذكرته مجلة (الزهو)، فهو يلوح لنا كسراب واهن، قاسي الإغراء، في أفق ذاكرة أدبية تنحسر وتتلاشى ببطء، إلا من نتف أخبار وأشعار ترددها ألسنة قلة من هواة وحفظة الملحون!

وبالرغم من تمكّن تونين من الخروج من قفص الهويات المغلقة التي ولد فيها، إلا أن الغموض يلف ما بقي من آثاره أيضاً، إذ وعلى الرغم من كل هذه الأصداء والانطباعات، لم يخلّف لنا نصوصاً منشورة، كما أنه يكاد يغيب كلياً عن المدونة المكتوبة للشعر الملحون التونسي

لكن هذا الغياب لنصوص تونين، على ما يمثله من صعوبات للباحث، يقابله مصدر ثري، بل ثري جداً، يعيننا في الكشف عن رحلة شاعرنا المالطي الفريدة في التعرّب والإبداع، وهي «المساجلات» التي ذكرها المرزوقي، حيث تحفظ لنا مخطوطات المكتبة الوطنية التونسية نحو عشر قصائد هجائية على الأقل قيلت في البرجي، فضلاً عن قصيدة أو قصيدتين قالها/ هما هو في غيره من الشعراء. هنا يمسي الهجاء والسباب- الذي يعتبر في سياقات أخرى من أدوات الإيذاء والإقصاء- مفتاحاً من مفاتيح التقارب، والتناغم، وحفظ الذاكرة.

انت تكشفلي صُرمي.. ويان نكشفلك تاعك

منذ حوالي عشر سنوات، انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج تلفزيوني مالطي يظهر فيه مذيع أحمر الوجه، بارز الأوداج، جاحظ العينين، وهو يطلق سيلاً وافراً من الكلام البذيء قائلاً:

 Il-ħmieġ u l-ħara tal-politiċi tagħna ..  li jagħmlu l-intriċċi bejniethom ta’ min ħa jdaħħlu fis-sorm ta’ min .. Iridu jikxfu il-ħmieġ u l-ħara ta’ xulxin ..  Int tikxifli sormi u jien nikxiflek tiegħek ..  Kulħadd jiġi jitnejjek għax m’hawnx bajd fil-pajjiż!

وقد يُكتب هذا المقطع بالحروف العربية- بشيء من التصرف حتى نبين أصول الكلمات- على المنوال التالي:

الخماج (الخمج، الوسخ) والخرا تاع الپوليتيتشي (رجال السياسة) تاعنا.. لي يعملو لانتريتشي (المؤامرات) بيناتهم تاع مين خيدخّله في الصرم (السُرم، المؤخرة) تاع مين.. إيريدو يكشفو الخماج والخرا تاع شُلشين (بعضهم بعض).. انت تكشفلي صرمي، ويان نكشفلك تاعك.. كل حد يجي يتنيّك عاش ماهَونش بيض في الپايّيز (البلد).

على موقع يوتيوب، نُشر المقطع بعنوان «اللغة المالطية كلها كلام زايد (أي بذيء) تونسي هههههه». هذه الـ «هههههه»– حذفنا منها بعض الهاءات- التي أثارها الفيديو، منبعها هو «كشف الصُرم» بالمعنى الحرفي للكلمة، فالصُرم كلمة بذيئة مشتركة بين اللغة المالطية والدارجة التونسية، ناهيك عن غيرها من لطائف الشتائم والمسبات كالخمج (الوسخ) والخراء والنيك الواردة أعلاه. والصرم بالتونسية هو عضو المرأة، بينما يدل اللفظ بالمالطي على المؤخرة، وهو الأقرب إلى معنى السُرم بالعربي الفصيح. هذا «الكشف» لهذا المشترك، يمسي مفاجأة للمشاهد التونسي والمغاربي اليوم، ذلك أن الجذور الجامعة بين مالطا وشمال أفريقيا العربية قد تعرّضت على مر القرون المنصرمة- لفظ آخر من الجذر نفسه- لعمليات تعتيم وتشويش مطّردة من قبل بعض التونسيين، وبدرجة أكبر ربما من قبل بعض المالطيين أنفسهم، لا سيما أولئك الذين اعتنقوا أيديولوجية قومية دينية ترسم حدوداً صارمة- صرم مرة أخرى- بين أهالي الجزر المالطية المسيحيين، وبين كل ما يتصل بالآخر الإسلامي الموهوم، بما في ذلك اللغة العربية. وقد بيّن الأديب الكبير أحمد فارس الشدياق، الذي قضى نحو أربعة عشر عاماً من حياته في جزيرة مالطا، الخطوط العريضة لهذه الأيديولوجية القومية المالطية، ولو بشيء من المبالغة في كتابه «الواسطة في معرفة أحوال مالطة» (صدر عام 1879) حيث يقول:

فأما العرب فربما لا تُعجب (مالطا) منهم أحداً، وذلك لأن أهل مالطة جميعاً يكرهون جنس العرب والمسلمين على الإطلاق، ومنتهى الذم عندهم أن يقولوا عربي بسكون الراء.. ولا يمكن أن يخطر ببالهم أن من العرب من هو ذو أدب وكياسة، بل لا يكادون يظنون أن اللغة العربية يتكلم بها غير المسلمين، وحيث كانوا يعلمون أن الإفرنج ينسبونهم إلى العرب زادت بغضتهم (لهم)..     

يضرب هذا الالتباس في علاقة مالطا بالعروبة، بجذوره إلى قرون خلت. ففي عام 869م، قامت دولة الأغالبة في (إفريقية)- التي تتطابق في كبير من مجالها مع تونس اليوم- بغزو الجزيرتين، فاستعبدوا من نجا من أهلها ورجعوا بهم إلى شمال أفريقيا تاركين الجزيرتين بلاقع. وظلت مالطا بعد ذلك، على ما يبدو، خالية من السكان حتى منتصف القرن الحادي عشر الميلادي، حين قام باستيطانها من جديد مسلمون ناطقون بلغة عربية دارجة، قادمين من جزيرة صقلية، في أعقاب تفكك الحضور الإسلامي فيها تحت غزو البيزنطيين ثم النورمان. والمرجح أن جزيرتي مالطا وغودش القريبة منها، حافظتا على أغلبية مسلمة حتى منتصف القرن الثالث عشر، حين تخلّى حكام صقلية ومالطا المسيحيون عن سياسة التعايش والتعددية الدينية التي اشتهروا بها في الزمن السابق، وخيّروا المسلمين بين القتل أو الهروب أو اعتناق الديانة المسيحية. وعليه يُرجّح أن قسما كبيراً من الشعب المالطي اليوم، ينحدر من المسلمين القدامى الذين أجبروا على ترك ديانتهم، أو من الأقليتين المسيحية واليهودية اللتين قطنتا الجزيرتين في ذلك العهد. ومع ذلك وبالرغم من تبدّل الديانة، إلا أن اللغة العربية الدارجة استمرت، تطورت، وتغيرت بشكل خاص بحكم مرور الزمن والانعزال الجغرافي، ممّا جعلها تحافظ على شبه لافت بينها وبين الدارجة التونسية.. شَبَهٌ أمسى موضوعاً للتندّر والإعجاب من قبل متابعين عرب للانفلوينسرز المالطيين على إنستاغرام أو في مقاطع يوتيوب.

المرجح أن جزيرتي مالطا وغودش القريبة منها، حافظتا على أغلبية مسلمة حتى منتصف القرن الثالث عشر، حين تخلّى حكام صقلية ومالطا المسيحيون عن سياسة التعايش والتعددية الدينية التي اشتهروا بها في الزمن السابق، وخيّروا المسلمين بين القتل أو الهروب أو اعتناق الديانة المسيحية

هذا «الصَرْم» الذي وقع بين المالطيين ومعاني العروبة والإسلام بدءاً من القرن الثالث عشر، هو صَرْم حقيقي لا ريب فيه: فمالطا اليوم هي دولة مستقلة ديانتها الرسمية المسيحية الكاثوليكية، وتتباهى بانتمائها الأوروبي المسيحي. واللغة المالطية كذلك تُعتبر لدى الناطقين بها لغة مستقلة، ساميّة نعم، لكن مكتوبة بحروف لاتينية ومشحونة بكم هائل من الكلمات الصقلية والإيطالية والإنجليزية، ما يجعل فهمها مستعصياً على الناطقين بغيرها من اللهجات العربية. لكن هذا «الصَرْم» لم يكن في يوم من الأيام مطلقاً أو نهائياً. فالأصولية الكاثوليكية، ثم الحصار العثماني الفاشل عام 1565، لم يستطيعا أن يغيرا الحتمية الجغرافية لجزيرة واقعة عند تقاطع الطرق البحرية في قلب المتوسط. إذ ظلّت مالطا عبر القرون محطاً للتجار وبضاعتهم بما فيها من عبيد مسلمين ناطقين بلغة الضاد، وشتات يهودي صقلي- مالطي- تونسي حافظ على الكتابة والقراءة بالعربية ولكن بحروف عبرية، وبطبيعة الحال سلع أخرى شتّى كانت تٌصدر نحو شمال أفريقيا.

من مالطة الحنينة إلى تونس الخضراء     

بالرغم من مرور قرون من الانقطاع النسبي بين مالطا وشمال أفريقيا- أو بالأحرى، بالرغم من تشدد أيديولوجية «الصَرم» التي وصفها الشدياق- شهد النصف الأول من القرن التاسع عشر، بداية فصل جديد من التعارف والتلاقح المالطي- الأفريقي، حين استولت الإمبراطورية البريطانية على الجزر المالطية وجرّت على أهاليها حالة من الفاقة المزرية، ما دفع آلاف المالطيين إلى الهجرة نحو تونس، ناهيك عن الآلاف من الذين هاجروا نحو بلدان عربية أخرى.

في واحدة من قصائد الهجاء الموجهة إلى تونين البرجي، لمّح الشاعر الهادي بن سليمان- المولود عام 1893 والمتوفى حوالي عام 1975- إلى الظروف الاقتصادية المزرية للمهاجرين المالطيين، إذ أنشد:

انا الهادي ظهار انا فارس الحطام / أنا ولد الخضرا مدينة المدون

ترشيش هي تونس بلاد الهنا والانعام / موش مالطة الحنينة نشوبة وطرف زيتون

اشكروا مثواها يا جماعة العظام / وتفكّروا جيّتكم في حالة الغبون

كثير منكم حافي ومليحكم مهمام / مداس تحت اقدامه وهو مثيل شيفون

في هذا المقطع يفخر بن سليمان بانتمائه إلى تونس- أي «الخضراء» أو «ترشيش»، وهي عند المؤرخين المغاربة القدامى الاسم الأمازيغي للبلدة التي صارت حالياً مدينة تونس، ولعلها «ترشيش» نفسها المذكورة في التوراة، والتي يفسّرها بعض المؤرخين على أنها قرطاج- ويسخر من تونين قائلاً: «مالطا الحنينة نشوبة وطرف زيتون»، وهو تحوير للمقولة الشعبية المتداولة في تونس حتى يومنا هذا «مالطا لحنينة، خبز وسردينة، ويسكي في الفترينة»، ويراد بها التهكم على تعلق المالطيين بوطنيتهم، بالرغم مما يعانون من ظروف معيشة متقشفة ربطتهم باحتراف التهريب، وسياقة العربات، والسكن في «الفنادق» أي الديار الجماعية التقليدية. ثم يحث الشاعر غريمَه على أن يشكر التونسيين على كرمهم الذي منحهم ملجأً طيباً في تونس بعد وصولهم في حالة «غبون» أي شظف وضيق.  

في غياب أي تفاصيل ثابتة عن حياة تونين، تقدّم لنا هذه الأبيات الإطار التاريخي والاجتماعي الذي ظهر فيه شاعرنا في تونس، وخروجه بذلك عن حالة الصَرْم التي تقيّد بها المخيال القومي المالطي خلال القرون الماضية، حتى تبحر تونين في أعماق التعرّب والهوية التونسية في زمن كان غيره من المالطيين يرون الترقي والارتقاء هما في اكتساب الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، أو يفضلون التأليف والتجديد في لهجتهم الأم. 

ترعرع تونين بين أزقة وشوارع مدينة متوسطية متعددة اللهجات والأديان. وضمن هذه التعددية، امتازت الجالية المالطية في البلاد التونسية عن غيرها من الجاليات «الأوروبية» من حيث عمق اندماج أبنائها في الثقافة العربية المحلية، ليس فقط بسبب التشابه الكبير بين الدارجتين التونسية والمالطية والتقارب في العادات والتقاليد، وإنما أيضاً بفعل التمييز الطبقي والعرقي الذي مورس ضدهم، باعتبارهم شعباً «مُشتبَهاً» في أصولهم العربية التاريخية «مهما أنكروها!»، وبسبب ملامحهم وملابسهم شبه «الشرقية»، بالإضافة إلى ظروفهم الاقتصادية والتعليمية المتدنية جداً في نظر المستعمرين الفرنسيين. هذه المكانة الرمادية أو «االبين- بين» للمكون المالطي ثقافياً انعكست على حضوره ضمن النسيج العمراني لتونس العاصمة. إذ كان نهج المنجي سليم حالياً- «شارع المالطيين» (Rue des maltais) سابقاً – يشكّل الحد الفاصل/ الرابط، غير الصارم ما بين «لَمْدينة العرْبي» وبين الأحياء «الأوروبية» الحديثة.

في هذا السياق، ليس من الصعب أن نتخيل أنطوان وهو صبي صغير يرتاد أعراس جيرانه المسلمين، والمقاهي الشعبية المفتوحة للذكور من مختلف الملل والنحل، وحتى الزوايا والمقامات الصوفية الطافحة بالمرح والتقوى وشتى أنواع الكيف والمنكر، فينبهر بما يبديه شعراء الملحون من جرأة وفصاحة وسرعة بديهة، ويطمح لأن يلتحق بصفوفهم. ولا نستبعد أن يكون البرجي قد انجذب إلى رحاب الملحون المضيافة للسبب عينه الذي جذب مستخدمي الإنترنت اليوم إلى مقطع «الكلام الزايد» المالطي، إذ إنه وسط دوّامة الشتائم الفاحشة المتبادلة بين شاعر وآخر، اكتشف بعض «الصُرم» الأليف، فاستبد به طرب المعاجم المتشابهة، وطار عقله..    

فأي صُرم  شتم تونين؟ وكيف شتم الشعراء صُرمه هو؟

خطــ٣٠ // تنشر وفق الحقوق المفتوحة Copyleft

أش دخلك للحرب يا كومباري؟

«أش دخلك للحرب يا كومباري؟»، هذا البيت المنسوب إلى تونين البرجي هو السؤال الاستنكاري عينه الذي كان يتلقاه بدوره بصيغ مختلفة، إذ إن «الحرب» في الملحون التونسي هي مجاز شائع للمبارزات الشعرية التي كان يخوض بعضها مع منافسيه. فقد هجاه غريمه الشاعر الهادي بن سليمان، على سبيل المثال، بالأبيات التالية:

كيف طلبت القيرّة وحصّنت اسوار / هاهي عساكر حاضرة لك جاو على الفور

آش لزّك يا قيف تدخل في البحار / تكسّر شقفك راح وادّك المرمور

يستهلّ بن سليمان هجاءه هذا بالرد على تونين الذي كان قد «طلب القيرّة» أي الحرب، بهجاء سابق، فيُعلمه بإحضاره «عساكر» وهو مجاز لقواه البلاغية الهجائية، ثم يتحداه قائلاً «أش لزك؟» وهو مرادف لـ «أش دخلك؟»، سؤال استنكاري كثيراً ما كان يبتدئ به شعراء الملحون التونسي مبارزات «الأحرش» أي الهجاء الخشن. والمعنى هنا أن بن سليمان ينفي عن تونين صفة الشاعر الماهر، بل ينعته بالـ «قيف» أي المتفاخر المغرور الذي يتكسر «شقفه» (مركبه) في «المرمور» أي (البحر )، وهو مجاز هنا للمبارزة الهجائية. وقال بن سليمان في هجائه أيضاً:

يا لعين يا مرذل يا ضنوة الحرام / يا قليل الهمّة يا بشت يا نتون

يا بهيم الرتعة يا مغط يا صمام / يا أوصاف العاصي يا كبش بو القرون

يا قتيلة جيلك عن مدةّ الأعوام / في الزمان الفايت وتركت ما يكون

تحساب ماتوا قبلك ذوك الرجال الاكرام/ اللي لوّثولك عرضك وأعطوه ما يهون

شبر من خلقتهم والبزق والنخام / وانت على عصبتهم ترجلت بالجنون

اذا تقول لي نكذب واخطيت في الكلام/ عليك حجّة توّا لا شك لا ظنون

ترى هات باش تجرّح يا قيف في الملام/ هالشي عنك ثابت ماهو نعرفوك ميبون

وملخص هذا السباب كله هو تشبيه البرجي بكل صفة مذمومة، كوصفه بالثور ذي القرون كناية عن الخنوع، والنيل من «عرضه»- المتجسد في الصُرم بمعناه المالطي، أي المؤخرة- الذي «لوّثه» الشعراء الفحول الذين أخذ عنهم تونين فن الشعر. قد نعتقد ونحن نقرأ هذه الأبيات اليوم، أنها تعبيرات صريحة دون مواربة، عن رفض شعراء تونس الشعبيين لرجل غريب، دخيل على الشعر الملحون الذي «يحصّنه» أهله «بأسوار» و«عساكر» ليدافعوا عن أصالة هذا الفن وخصوصيته المبنيّتين على إقصاء الآخر ومعاداته. لكن ذلك اعتقاد خاطئ، فلو تمهّلنا في قراءة الأهاجي التي قيلت في تونين البرجي، لأدركنا أن معظم التهم والنعوت الواردة فيها هي- وعلى الرغم من قسوتها- من الصور الشعرية الشائعة في معجم الملحون التونسي: التشكيك في الرجولة، العجز أو الضعف الجنسي، انعدام الهمّة والشرف، دناءة الحسب والنسب، الكفر، قلة الموهبة في قرض الأشعار وصياغة الكلام بالمقارنة مع «الرجال الأكرام» أي فحول الشعراء الذين عاشوا في «الزمان الفايت». وعليه تكون هذه الألفاظ والمعاني- وإن بدت صادمة، وهي كذلك فعلاً- مألوفة ومعتادة في سياقها، وقد قيلت في كبار الشعراء التونسيين عبر الأجيال، لا تونين وحده.

والأهم من ذلك كله، أن الشعر «الأحرش» في سياق الأعراس التونسية التقليدية القديمة، مثله مثل شعر الهجاء في الأدب العربي الفصيح، لم يكن الغرض منه جرح الآخر العدو جرحاً مبرحاً لا يبرأ منه أو تسديد خنجر كلامي في ظهر المنبوذ والمنفي، وإنما هو طقس اجتماعي، إنساني بامتياز، يطرب له الجمهور ويبتهج ضحكاً وتصفيقاً، تحشماً وتفضحاً معاً، إذ تترسخ من خلاله قيم الجماعة عندما يتم الانقلاب عليها، والعبث بها، في حومة تلاعب وانفلات تحتفي بكل غريب وعجيب وتبعث على معاني الخصوبة والتزاوج، والضيافة والكرم. أو بعبارة أخرى، هو لعبة تكاشف للأصرام، يتناوب الشاعران المشاركان فيها على فضح عورات بعضهما بعضاً، حتى تتم الألفة والتقرّب والمصارحة والوصال، وبذلك يزول ذاك الصَرْم الفاصل بين الهويات الثنائية المؤدلجة، والباعث على هواجس الرفض والقبول. وباختصار شديد وربما مخلّ: وحدهم الأصدقاء يستطيعون شتم بعضهم بعضاً بهذه الطريقة.

هذه المعادلة التكاشفية التضامنية نراها أيضاً في رد تونين على بن سليمان حيث يقول في مطلع قصيدة له:

نبتدا باسم الله قادر عزيز ديّان/ القديم الباقي عَ الخلق مرتقب

ومن بدا باسم الله في البدو وكل تمّان / حاجته يقضيها ما يلحقه تعب

نعتمد على ربّي ندخل بحر طوفان / ينقلب يتشقلب بالعلم يندعب

مشايخي معروفة النّجّار عرف فطّان / ابن احمد العربي من أرفع النسب

وحسين عرفي ثاني في القول شيخ وزّان / مشتهر سيفاوي وملافظه عذب

رحمة الله ساروا وسكنوا قبور لحدان / منهم خذيت فوايد وجنيت بالسبب

قد يظن قارئ السطرين الأولين بأن المالطي قد أسلم، لكن الأدلة ترجّح عكس ذلك. إذ إن البسملة والحمدلة وغيرهما من العبارات ذات الطابع الإسلامي، حتى القرآني ينطقها التونسيون اليهود في صلواتهم كما في دارجتهم اليومية، ما ينفي الافتراض بأن المسلم وحده يقول «باسم الله قادر عزيز ديّان». ما يمكننا استخلاصه من هذه الأبيات، إذن، أن تونين وعلى الرغم من تمسكه بمسيحيته كان لآفاقه من الاتساع والانفتاح ما سمح له بأن «يتأسلم» لغوياً، وأن يراعي مشاعر جمهوره الدينية، تمهيداً لاستعراض أسماء أساتذته، وهما الشاعران الفحلان العربي النجار، وحسين السيفاوي. بهذه الطريقة، يسترد البرجي لنفسه دلائل الأصالة والانتماء على الصعيدين الديني والدنيوي، ثم ينبثق هاجياً:

يا ضبع بوخمعه يا وجب كلب جوعان/ في العظم يلكلك ويحكّ في الجرب

يا عديم جوابك في ما نطقت بلسان/ نحّي الكلوف أخطاهم يا معدن الحطب

بوش سفرك خلا خالي لا ريق حلو يبنان/ لاك صاحب همّه ليك الخزآ والمسبّ

قلت هذي المعنى لجدودنا العربان/ ماهيش للمّالط ملعون من كذب

لاش كيف سألتك عجزت صرت جبان/ ما لقيت باش تواجب ووحلت في الطنب

تهدر الأبيات وتضج بإيحاءات جنسية محتملة، حيث إن «العظم» بالدارجة التونسية معناه أيضاً البيض، و«الطنب» المذكور في عجز البيت الأخير يدل على معنَيَيْن: الإطناب في الكلام، والوتد أو القضيب. وفي السائد والمعروف أن «الملكلك في البيض» و«الواحل» في القضيب يكون «صُرمه» مباحاً. لكن عبارات السب والقذف تعجّ أيضاً بالمواربة والالتباس، حيث يقول البرجي مقتبساً كلام بن سليمان: «قلت هذي المعنى لجدودنا الأعراب، ماهيش للمّالط ملعون من كذبه». أي إن القيم الرفيعة، والأخلاق العالية، والنبوغ الشعري، يُفترض أن تكون من نصيب العرب دون المالطيين. فهل كلمة «جدودنا العربان» اقتباس مباشر لكلام بن سليمان فحسب، أم إن الضمير المتصل «نا» يعود أيضاً إلى ناقل الكلام، تونين المالطي، الذي كان جدوده أيضاً من العربان؟     

ضيافة الملحون.. انغلاق القومي

ليس من المبالغة القول بأن شعر الهجاء الملحون هو نوع من أنواع الضيافة. ذلك أن ما ينطوي عليه من معجم بذيء مشترك، يكشف الروابط البلاغية والجسدية مع آخر قريب بلعه ضباب الأيديولوجيا وغشيه سراب النسيان. كما يشكل شعر «الأحرش» أو الهجاء طقساً اجتماعياً بنّاءً ذا طابع تكاشفي تآلفي، يتلاقى فيه الأصدقاء والمنافسون، لا الأعداء والمرفوضون، على الأقل فيما يخص مبارزات تونين ومجايليه. ومن المهم هنا العودة لجذور الملحون الذي كان منذ نشأته في تواصل مرح مع «الآخر» الأعجمي: بين المغرب والأندلس، مروراً بصقلية وأفريقيا، وصولاً إلى تونس ومالطا. إذ برز شعراء الملحون الأوائل في بلاط الأمراء والحكام في الحواضر الكوزموبوليتانية، وليس فقط في قلب الصحراء في منأى عن رحاب المتوسط أو في معزل عن الأجنبي الأوروبي. ولعلنا نستشفّ آثار هذا التاريخ في بعض الألفاظ التي استعملها الهادي بن سليمان، مثل قيرّة (guerra)، نسيون(nación)، مرمور (من mar).

بيد أن القرن العشرين جاء بمفاهيم جديدة، إذ أصبح الملحون، في الاعتقاد الذي غدا سائداً اليوم، شعر البادية أكثر منه شعر الحاضرة، وموطنه الجنوب لا الشمال، وينتجه الأميون وليس المتعلمون. وبمعنى آخر يمسي الملحون صورة لشعر أصيل، محلي بامتياز، وتجسيداً وفيّاً للعروبة في مواجهة مع الأوروبي المحتل. هذا التصور الأيديولوجي للملحون ينعكس في الاسمين اللذين بات يُعرف بهما هذا الشعر بدءاً من القرن العشرين: الشعر «القومي» وهو المصطلح الوارد في مقالة محمد الغربي أعلاه، والمصطلح الأكثر شيوعاً في تونس؛ و«الشعر الشعبي» الذي هو على الأرجح ترجمة عن الفرنسية poésie populaire، ويراد به شعر ينبثق تلقائياً، بصورة رومانتيكية شبه غيبية، عن روح شعب دون غيره من الشعوب.

برز شعراء الملحون الأوائل في بلاط الأمراء والحكام في الحواضر الكوزموبوليتانية، وليس فقط في قلب الصحراء في منأى عن رحاب المتوسط أو في معزل عن الأجنبي الأوروبي

لعل هذا التحول المفاهيمي يفسّر نوعاً ما، امحاء آثار تونين البرجي اليوم. إذ من الصعب وفقاً للتصنيفات والثنائيات الحديثة إدراج شاعر مالطي في دواوين الشعر «الشعبي» التونسي، القومي بامتياز، من وجهة نظر الدولة وبعض المؤسسات الثقافية ذات النزعة الانزوائية على الأقل. ثمة أسباب أخرى لهذا الامحاء لا شك: الاستعمار الفرنسي الذي استقطب الأغلبية الساحقة من المالطيين- التونسيين الذين هاجروا إلى فرنسا لا مالطا مع استقلال تونس عام 1956. أضف إلى ذلك، ما يعانيه الشعر الملحون عموماً من قلة اهتمام الباحثين الأجانب والتونسيين على حد سواء. ولعل ما كشفناه من أصرام هنا يكون كفيلاً بلفت الأنظار، وقلقلة بعض المفاهيم المتكلسة حول الأدب واللغة والهوية، في سبيل قراءة شعرية وإنسانية قديمة جديدة لا تهاب الآفاق ولا تفرّ من شذاذها! 

غير أن سؤالاً آخر قد يُطرح: كيف اكتشفنا تونين، رغماً عن احتجابه؟

ملحق فيه استطراد في شأن كيفية اتصال كاتب هذه المقالة بالشاعر المالطي التونسي المدعو تونين البرجي عفا الله عنه

كان من المفترض أن ينتهي حديثي عن تونين بالبحث عن أسباب اختفائه من الذاكرة. غير أن صديقاً نبهني، بعد الانتهاء من كتابة هذه السطور، إلى أن من المفيد للقارئ، ربما، لو تنازلت قليلاً عن نفي الأنا الكاتبة أو محاولة إخفائها على الأقل، والبوح بـ «سِرّ مَا» دفعني إلى التعلق بتونين والبحث في سيرته وشعره دون غيره من شعراء الملحون المغاربي، وهم كثيرون. وها أنا أفعل.

اصطدمت باسم تونين البرجي لأول مرة ضمن أحد مجلدات الأعمال الكاملة للأستاذ الكبير محمد المرزوقي، فلفت نظري قوله عنه بأنه «من أشهر الشعراء الشعبيين، على الرغم من أنه أصيل مالطة». شدّتني الجملة لما رأيت فيها من رجع صدى تجربتي الطويلة في دراسة اللغة العربية. فمنذ زمن طويل- منذ بدء تعلمي لهذه اللغة حين كنت في الخامسة عشرة من عمري- وأنا أتساءل عن تاريخ تعلّم «الأوروبيين» والأمريكيين أمثالي للسان الضاد في العصر الحديث، بينما كل ما كنت أسمعه من حولي في تلك السن سواء من الأصدقاء أو من الأهل كان عبارة عن توجسات غامضة بأن هذه اللغة تشكل نوعاً من أنواع الخطر، ويجب ألا أتقرب منها خوفاً علي من التأسلم أو الضياع أخلاقياً بطريقة يصعب على العنصريين تحديد ماهيتها على وجه الدقة. فقط عندما دخلت الجامعة، تعلمت عن التاريخ المظلم للاستشراق الذي خاض فيه آلاف الأوروبيين والأمريكيين من ذوي الأصول الأوروبية، ممن سبق وأن تعلموا العربية في القرنين الماضيين، فإذا بخطر جديد يلوح أمامي، مفاده أن هؤلاء جميعاً، كل الذين تعلمت عنهم هم مبشّرون أو عملاء أو متوروطون بشكل ما في  الإمبريالية، بل وازداد هذا الهاجس حينما سمعت مرة أستاذة مشهورة في دراسات الشرق الأوسط في أمريكا تتحدث عما مفاده أن «جميع البيض الذين يتعلمون العربية هم مشاريع جواسيس».

هذان الخطران- خطر أن أخون أهلي، وخطر أن «أستشرق» ولو رغماً عني- ظلا يؤطران علاقتي باللغة العربية لزمن طويل. لذلك، حين عثرت على طرف من سيرة تونين تعجبت لهذا الشاعر «الأوروبي» الذي يبدو وكأنه ضرب بكل هذه التوجسات عرض الحائط، ودخل إلى التعرّب من بابه العريض دون أن يلتفت إلى الوراء. بالطبع، كلمة «أوروبي» لا تخلو من إشكالية فيما يخص تونين، وهو المالطي الذي سواء وُلد في جزيرة أجداده أم في تونس، فقد تربى داخل لغة وثقافة عربية أفريقية بامتياز، وهذا مختلف كل الاختلاف عن حالتي أنا، لكن المؤكد أن تونين كان عليه أن «يدخل» على اللغة العربية ضيفاً من «الخارج»، لذلك ظل واعياً كل الوعي بتمايزه الديني والقومي عن غيره من شعراء الملحون.

في نظري، من أهم ما يميّز قصة تعرّب تونين، أي استضافته في رحاب العربية، هو أنه تعرّب دون أن يستشرق. أعني بذلك أن تونين اكتسب اللغة العربية- بفكيها الدارج والفصيح، على ما يبدو- ونبغ فيها، لكنه لم يتورط في سلك الاستشراق على منوال مشاهير المستعربين الأوروبيين الذين تزامنوا أو تقاطعوا مع تونين بطريقة أو بأخرى في مجال الغناء والشعر الملحون التونسي، على غرار الضابط الفرنسي پول مارتي (1882- 1938) الذي أجرى دراسة مهمة عن «الأغاني الشعبية» في الجنوب التونسي، حين كان يشغل مناصب عسكرية وإدارية استعمارية. أو عالم الألسن هانز شتومة (1864- 1936)، صاحب الأبحاث القيمة عن الشعر الشعبي في تونس وطرابلس ومالطا، والذي جنّد مهاراته اللغوية- بل جنّد أيضاً بعض الأسرى التونسيين- في سبيل النشر للدعاية الألمانية في شمال أفريقيا. ثم هناك إدمون مارتان (1888- 1964)، الملقب نفسه «قدور بن نترام» الذي اشتهر بأداءاته الهزلية على الراديو والمسرح حيث كان يتقمص شخصيات نمطية تمثل بعض الفئات القومية والدينية في تونس، ويقلّد لهجاتهم ولكناتهم.

يختلف تونين عن جميع هؤلاء في الرحلة التي قام بها في اللغة والشعر العربيين. فهو بخلاف «قدور بن نترام»، لم يهدف للتهكم على أصوات التونسيين وترويج الصور النمطية عنهم أمام جمهور معظمه من المستعمرين، بل رغب في أن يكون صوته تونسياً، عربياً، في لعبة محاورة وتكاشف أصرام مع غيره من التونسيين. وهو بخلاف شتومة ومارتي، لم يسلك مسالك الاستشراق عسكرياً أو سياسياً. ففي عركات «الأحرش» الكثيرة المنعقدة بينه وبين أصدقائه، تم اتهام تونين بكل شيء تقريباً: بالركاكة والبلادة، بالأُبنة والقوادة، بالكفر والسذاجة. لكنه لم يُتهم يوماً بأنه جاسوس، أو عميل، أو متورط مع الاستعمار. بل على العكس، إذا صحت حكاية تعاونه مع عبد العزيز العروي التي أوردناها في مقدمة هذه المقالة، فلقد انضم تونين إلى لواء محاربة المحتل الأوروبي في زمانه. أضف إلى ذلك، أنه، على ما يبدو، لم يهتم بـ «إنتاج المعرفة»، والمعرفة كما هو معروف سلاح المستشرق الأول إذا كنا سنتبع إدوارد سعيد. أي إن تونين، بخلاف جميع المستشرقين بمن فيهم أنا، لم ينشر مقالة علمية، ولم يقم بدراسة إثنوغرافية، ولا ظهر في الإعلام حتى، باستثناء بعض الحلقات الإذاعية التي سجّلها مع عبد العزيز العروي، بل اكتفى بأن يقول شعره بكل عفوية، إلى أن امّحى أثره أو بالكاد.

مهما بدا في الأمر من رومانسية، إلا أنه يروق لي تخيل تونين كنموذج لصنف بديل عن التعرب والاستعراب، ليس كذاك الذي استعمر أو استشرق، ولا كذاك الذي استولى وتقمص، وإنما ذاك الذي استضافته اللغة بكل عجرها وبجرها، فأضاف هو بدوره ثم انسحب بهدوء، مخلفاً وراءه ثغراً، هو كالصرم في انبلاج أسراره الناطقة الصماء!