مقالات

لماذا تشتعل الجبهة اللبنانية الآن؟ قراءة في أهداف التصعيد الإسرائيلي

✍️ يوحنا عزمي

ما يجري اليوم في جنوب لبنان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عملية عسكرية إسرائيلية محدودة أو ردًا أمنيًا على تهديدات ميدانية، بل يبدو أقرب إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي على الحدود الشمالية لإسرائيل. فالتصعيد الذي امتد تأثيره إلى مناطق تخضع لرقابة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) يطرح تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية الكامنة خلف هذا السلوك الإسرائيلي المتصاعد.

في تقديري، فإن أحد أهم العوامل التي منحت إسرائيل مساحة أوسع للتحرك يتمثل في التحولات التي شهدتها المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله. فبعد التفاهمات والتهدئة التي كانت قائمة، جاءت التطورات الإقليمية المرتبطة بالصراع الإسرائيلي الإيراني لتدفع حزب الله إلى الانخراط مجددًا في المواجهة، وهو ما وفر لإسرائيل مبررًا سياسيًا وأمنيًا أمام المجتمع الدولي للقول إنها لا تخوض حربًا ضد دولة لبنان، بل ضد تنظيم مسلح تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.

لكن القراءة السياسية الأعمق تشير إلى أن إسرائيل لا تكتفي بمبدأ “الردع” أو “الدفاع عن النفس”، بل تستثمر الظرف الإقليمي الحالي لتحقيق أهداف أبعد مدى. فإيران، التي تمثل المظلة الاستراتيجية الأساسية لحزب الله، أصبحت منشغلة بمسارات التفاوض والضغوط الدولية، وهو ما خلق فراغًا نسبيًا في قدرة محور المقاومة على التنسيق والتحرك بالزخم ذاته الذي كان قائمًا في مراحل سابقة.

هذا الوضع أتاح لإسرائيل فرصة نادرة لمحاولة استنزاف حزب الله وإضعاف بنيته العسكرية واللوجستية دون خشية كبيرة من توسع المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. ومن هنا يمكن فهم حجم العمليات العسكرية واتساع نطاقها، باعتبارها جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تغيير موازين القوة على المدى الطويل وليس فقط معالجة تهديدات آنية.

اللافت أيضًا أن المشهد اللبناني بدأ يثير قلقا متزايدًا داخل العواصم الأوروبية، خاصة فرنسا التي ترتبط تاريخيًا بلبنان سياسيًا وثقافيًا. فمع تصاعد حجم الدمار وسقوط الضحايا المدنيين، عاد الملف اللبناني إلى واجهة النقاشات الدبلوماسية الأوروبية، وبدأت الأصوات المطالبة بكبح جماح العمليات الإسرائيلية ترتفع بصورة أكثر وضوحًا.

وفي هذا السياق برزت تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن خلافات متزايدة بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بشأن إدارة الحرب وتداعياتها السياسية. فواشنطن، رغم استمرار دعمها الاستراتيجي لإسرائيل، تدرك أن استمرار العمليات العسكرية بهذا الشكل يفاقم الضغوط الدولية عليها ويزيد من حالة الغضب العالمي تجاه السياسات الإسرائيلية، وهو ما ينعكس سلبًا على المصالح الأمريكية نفسها.

غير أن حسابات السياسة الداخلية الإسرائيلية تبدو أكثر تعقيدًا من أي ضغوط خارجية. فبنيامين نتنياهو يواجه معارضة داخلية شرسة، ليس فقط من خصومه التقليديين، بل من شخصيات تنتمي إلى المعسكر اليميني ذاته. ومع كل تراجع أو استجابة للضغوط الأمريكية، تزداد الاتهامات الموجهة إليه بالضعف والتبعية، وهو ما يدفعه غالبًا إلى البحث عن أوراق قوة تعيد ترميم صورته أمام قواعد اليمين الإسرائيلي.

ومن هنا يمكن فهم عودة التصعيد العسكري في بعض المراحل رغم الانتقادات الدولية. فالمعادلة بالنسبة لنتنياهو لا ترتبط فقط بالأمن القومي ، وإنما أيضًا بالبقاء السياسي. إذ يدرك أن أي انطباع بالضعف قد يمنح منافسيه فرصة لتشكيل بديل سياسي قادر على إزاحته من المشه

أما على المستوى الاستراتيجي الأوسع، فإن ما يحدث في جنوب لبنان يحمل أبعادًا تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. فإسرائيل تنظر إلى حزب الله باعتباره الذراع العسكرية الأكثر تأثيرًا لإيران خارج حدودها. وبالتالي فإن إضعاف الحزب لا يعني فقط تأمين الحدود الشمالية ، بل يندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي وحرمان طهران من أهم أدوات الردع غير المباشر التي تمتلكها.

ولذلك فإن العمليات العسكرية الحالية يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لتحقيق هدفين متوازيين في آن واحد : إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جنوب لبنان ، وتقويض القدرة الاستراتيجية لإيران على استخدام حزب الله كورقة ضغط مستقبلية في أي مواجهة قادمة.

ورغم اختلاف التقييمات حول طبيعة الأهداف النهائية لهذه العمليات ، فإن المؤكد أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات الإقليمية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، غالبًا ما تتراجع فاعلية المؤسسات الدولية والقرارات الأممية أمام منطق القوة وميزان المصالح. فالقانون الدولي يمتلك تأثيره الحقيقي عندما يكون مدعومًا بإرادة سياسية وقوة قادرة على فرضه، أما في أوقات الصراعات الكبرى فإن الكلمة العليا تبقى لمن يمتلك أدوات التأثير والردع.

ويبقى السؤال الأهم : هل توجد اليوم قوة إقليمية أو دولية قادرة على فرض حدود واضحة للسلوك الإسرائيلي في لبنان وغزة معًا؟ وإذا كانت هذه القوة موجودة بالفعل ، فلماذا لا تزال العمليات العسكرية مستمرة بالوتيرة نفسها؟ هذا السؤال ربما يكون المفتاح الحقيقي لفهم ما يجري في المنطقة أكثر من أي حدث ميداني آخر.

Image

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى