شبكة الرقيب الإعلامية
إعلان
Image
مقالات

ست شخصيات فلسطينية

شبكة الرقيب الإعلامية - د. أحمد رفيق عوض

يعتمد هذا المقال على فيديو شاهدته على منصة «تيك توك»، يتحدث فيه صاحبه، بطريقة ساخرة، عن أربع شخصيات فلسطينية. أما أنا، فجعلتها ست شخصيات، ربما لأن الواقع الفلسطيني، بعد ثمانية وسبعين عاماً من قيام إسرائيل، أصبح أكثر تعقيداً وتوزعاً وتناقضاً، إلى درجة يصعب معها اختصار الفلسطيني في شخصية واحدة.

الشخصية الأولى: الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة.
هذا الفلسطيني يقيس أسفاره وتحركاته بعدد الحواجز ومواعيد إغلاقها أو فتحها. يخطط ليومه وفقاً للطريق الذي يمكن أن يُفتح، أو الحاجز الذي قد يُغلق، ويدعو الله ليلاً ونهاراً ألا يقترب منه، أو من حقله، أو من بيته، مستوطن يعتقد أنه يعيش أيام سيدنا داود عليه السلام. ويحلم بأن يزور المسجد الأقصى دون عوائق ودون مضايقة. إنها شخصية تعيش سجناً في الهواء الطلق، عارياً من كل شيء، ومكشوفاً أمام كل شيء.

الشخصية الثانية: الفلسطيني في القدس المحتلة.
فلسطيني يحمل وثائق متعددة، لكنه لا يستطيع أن يبني طابقاً آخر فوق بيته، بل قد لا يستطيع حتى أن يصلح مغسلة في مطبخه من دون الدخول في متاهة من القوانين والتراخيص والتعليمات. يقضي عمره في العمل من أجل تسديد ما يسمى ضريبة «الأرنونا»، ويغرق في تفاصيل إدارية وقانونية تكاد لا تنتهي. هو يعيش في مدينته، لكنه يكتشف كل يوم أن أبسط تفاصيل الحياة فيها تحتاج إلى إذن.

الشخصية الثالثة: الفلسطيني في مناطق 48.
هذا الفلسطيني يعيش في فضاء يعاني فيه التهميش والشيطنة والإزاحة من المجال العام، ويعمل، قبل أي شيء آخر، على ألا يُقتل في اليوم التالي، لأن أمنه الشخصي ليس أمراً مضموناً. إنه فلسطيني يحمل مواطنة، لكن هذه المواطنة لا تمنحه بالضرورة شعوراً كاملاً بالأمان أو المساواة.

الشخصية الرابعة: الفلسطيني في قطاع غزة.
هذا الفلسطيني اضطر إلى أن يدفع ثمن مرحلة الغياب والتفكك والضعف كاملة. تضاءلت أحلامه إلى درجة أن الحصول على جرعة ماء أو لقمة خبز أصبح حلماً أكبر من استعادة البيت أو العودة إلى حديقة مليئة بالفلفل الأحمر. الفلسطيني في غزة يموت تحت الأنقاض أو فوقها، فيما تبدو المعابر كلها مغلقة أمامه، وكأن العالم أغلق الأبواب في وجهه وتركه لمصيره.

الشخصية الخامسة: الفلسطيني في الشتات الذي لا يحمل جنسية كاملة.
يحمل وثيقة سفر لا ترقى إلى مستوى جواز السفر، فيظل على الهامش، أقرب إلى النبذ أو إلى التوجس. يعيش على حافة الفقر؛ فلا حقوق كاملة ولا مواطنة كاملة، وتصبح أحلامه في كثير من الأحيان مرتبطة بالنجاة من خلال جنسية أخرى، جنسية تحفظ له كرامته وتمنحه بعضاً من الأمان الذي افتقده طويلاً.

الشخصية السادسة: الفلسطيني في الشتات الذي يحمل جنسية كاملة.
هذا الفلسطيني قد يشعر بالنجاة الشخصية، لكنه يحاصر ذاته طيلة الوقت بهاجس عدم النسيان. تراه يتبرع بماله أو وقته أو جهده من أجل وطنه البعيد، الغارق في الضباب والعذاب معاً. لقد استطاع أن يبني حياة مستقرة في بلاد الله الواسعة، لكنه لم يستطع أن يقطع الحبل الذي يربطه بذلك المكان البعيد المشتهى.

هذه هي، في جانب منها، صورة الشعب الفلسطيني الآن، بعد ثمانية وسبعين عاماً من قيام إسرائيل: شعب يبدو مجزأ ومفككاً بالجغرافية والأولويات والتحديات واختلاف الاتجاهات والمرجعيات. ست شخصيات، وربما أكثر، يجمعها وطن واحد وتفصل بينها خرائط وحواجز وحدود ووثائق وجنسيات ومخيمات ومدن وذاكرة مثقلة.

ومع ذلك، ورغم هذا الواقع المرير والخطير، لم يذب الشعب الفلسطيني ولم يتلاشَ. ولم تستطع إسرائيل، رغم كل ما فعلت وتفعل، أن تتجاوز وجود هذا الشعب أو أن تنهي قضيته. وهذه حقيقة تفرض عليها، قبل غيرها، مراجعة حساباتها وأساليبها.

فقد لا تكون المشكلة في أن الفلسطينيين ما زالوا موجودين بعد ثمانية وسبعين عاماً، بل في الاعتقاد بأن ثمانية وسبعين عاماً أخرى يمكن أن تحقق ما لم تحققه العقود السابقة. وربما ليس على إسرائيل أن تنتظر كل هذا الوقت لتسجل انتصاراً متخيلاً آخر.

إعلان
Image

انفوجراف الرقيب

Image
تصفح أسرع وبث مستمر

حمّل تطبيق الرقيب

آخر الأخبار بين يديك مباشرة

↗
--:--فلسطين
--°القدس