رقابة المحكمة الدستورية على مشروع قانون مهنة المحاماة… بين حدود السلطة التقديرية للمشرع وسمو الدستور.
أصبح مشروع قانون مهنة المحاماة اليوم معروضا على المحكمة الدستورية، لينتقل النقاش بشأنه من دائرة الجدل السياسي والمهني إلى دائرة الرقابة الدستورية، حيث تكون الكلمة الأخيرة للدستور، باعتباره أسمى قانون في الدولة والمرجع الذي يتعين أن تنضبط له جميع التشريعات.
وتكتسي هذه الرقابة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة النص المعروض، إذ لا يتعلق الأمر بقانون ينظم نشاطا مهنيا عاديا، وإنما بمشروع يهم مؤسسة دستورية تضطلع بدور أساسي في تحقيق العدالة، وصيانة الحقوق والحريات، وضمان الحق في الدفاع، والمساهمة في تكريس المحاكمة العادلة. فالمحاماة ليست مجرد مهنة حرة تخضع لقواعد التنظيم الإداري، بل هي أحد المكونات الجوهرية لمنظومة العدالة، وأي تعديل يمس تنظيمها ينعكس بالضرورة على حسن سير العدالة وعلى الضمانات الدستورية المقررة للمتقاضين.
ومن هذا المنطلق، فإن مهمة المحكمة الدستورية لا تتمثل في تقييم مدى ملاءمة الاختيارات التي اعتمدها المشرع أو الحكم على نجاعتها السياسية أو العملية، لأن ذلك يدخل في نطاق السلطة التقديرية المخولة للبرلمان. وإنما ينحصر دورها في التحقق مما إذا كان المشرع، وهو يمارس اختصاصه الدستوري في سن القوانين، قد احترم الحدود التي رسمها الدستور، والتزم بالمبادئ والضمانات الدستورية التي لا يجوز لأي تشريع أن يتجاوزها.
وقد استقر الاجتهاد الدستوري المغربي على أن السلطة التقديرية للمشرع ليست سلطة مطلقة، وإنما تمارس في إطار احترام أحكام الدستور وقيمه ومبادئه، وأن المحكمة الدستورية لا تحل محل المشرع في تقدير الملاءمة، لكنها تتدخل كلما تبين أن التشريع تجاوز القيود الدستورية أو أخل بالتوازن الواجب بين تحقيق المصلحة العامة وحماية الحقوق والحريات المكفولة دستوريا.
وليس هذا التوجه خاصا بالقضاء الدستوري المغربي، بل يجد سنده أيضا في الاجتهاد الدستوري المقارن، وعلى رأسه اجتهاد الاجتهاد الدستوري الفرنسي، الذي استقر على أن الرقابة الدستورية لا تقتصر على المطابقة الشكلية أو الحرفية لنصوص الدستور، وإنما تمتد إلى احترام المبادئ ذات القيمة الدستورية، وفي مقدمتها مبدأ المساواة أمام القانون، والأمن القانوني، ووضوح القاعدة القانونية، ومبدأ التناسب، وضمانات الحقوق والحريات.
وبناء على ذلك، فإن مشروعية الإصلاح التشريعي، مهما كانت أهدافه، لا تكفي وحدها لإضفاء المشروعية الدستورية عليه، لأن الدستور لا يحاكم الغايات وحدها، وإنما يحاكم كذلك الوسائل المعتمدة لتحقيقها. فإذا كانت الوسائل المختارة تمس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باستقلال العدالة، أو بحق الدفاع، أو بالمساواة أمام القانون، أو بالأمن القانوني، فإنها تصبح محل رقابة المحكمة الدستورية، التي تبقى الضامن الأسمى لاحترام الدستور وحماية دولة الحق والقانون.
ومن ثم، فإن الطعن المعروض على المحكمة الدستورية لا يقوم على منازعة في الخيارات التشريعية أو في السياسة التشريعية للدولة، وإنما يستند إلى الدفع بعدم دستورية بعض مقتضيات المشروع لمخالفتها مبادئ وقواعد دستورية مستقرة في نص الدستور وفي الاجتهاد القضائي الدستوري، الوطني والمقارن.
وفي المقالات المقبلة، سيتم التوقف عند أبرز هذه المقتضيات، وتحليل أوجه مخالفتها للدستور، استنادا إلى النصوص الدستورية والاجتهاد القضائي الدستوري، في قراءة قانونية هادئة وموضوعية.

