الصواريخ تتكلم من جديد .. هل دخل الشرق الأوسط مرحلة ما قبل الانفجار الكبير؟

✍️ يوحنا عزمي
ما يحدث الآن في المنطقة ليس مجرد تبادل جديد للصواريخ بين إيران وإسرائيل، بل يبدو وكأنه اختبار خطير لحدود الصبر الإقليمي والدولي، وربما خطوة جديدة نحو إعادة إشعال واحدة من أخطر جبهات الصراع في الشرق الأوسط.
ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تعيش حالة من الهدوء النسبي الحذر، جاءت الضربات الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت لتعيد طرح السؤال الذي لم يغادر المشهد منذ شهور : هل هناك أطراف تسعى بالفعل إلى منع أي فرصة للاستقرار وإبقاء المنطقة على حافة الانفجار الدائم؟
الرشقات الصاروخية التي انطلقت من الجانب الإيراني باتجاه شمال إسرائيل لا يمكن قراءتها باعتبارها رداً عسكرياً فقط ، بل تحمل أيضاً رسائل سياسية وعسكرية متعددة. الرسالة الأولى أن طهران لا تريد أن تبدو عاجزة أمام استهداف حلفائها في المنطقة، والرسالة الثانية أن قواعد الاشتباك التي حاولت القوى الدولية فرضها خلال الأشهر الماضية أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
المشهد الحالي يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة؛ فكل ضربة أصبحت تقابلها ضربة أكبر، وكل تهديد يتبعه تصعيد أكثر خطورة. وبينما تتحدث إسرائيل عن حقها في استهداف ما تعتبره تهديدات أمنية، ترى إيران أن استمرار هذه العمليات دون رد سيعني منح تل أبيب حرية كاملة في رسم خريطة الصراع وفق مصالحها.
اللافت للنظر أن التصريحات الصادرة من بعض المسؤولين الإسرائيليين تحمل نبرة تصعيدية غير مسبوقة، وهو ما يثير المخاوف من أن القرار السياسي قد يكون يتجه نحو توسيع نطاق المواجهة بدلًا من احتوائها. وعندما تصل التصريحات إلى الحديث عن استهداف طهران بشكل مباشر، فإن ذلك يعني أن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة لم تعد مجرد سيناريو نظري، بل احتمال قائم يزداد قوة مع كل ساعة تمر.
في المقابل، فإن الموقف الأمريكي يضيف بعداً آخر للأزمة. فواشنطن تعلن استعدادها للدفاع عن إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران قد تجر المنطقة بأكملها إلى حرب لا يمكن التنبؤ بنتائجها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو حتى على مستوى أمن الطاقة العالمي.
الأخطر من الصواريخ نفسها هو ما تحمله من دلالات سياسية. فكل طرف يحاول فرض معادلة ردع جديدة، لكن التاريخ يؤكد أن معارك الردع كثيرًا ما تتحول إلى حروب حقيقية عندما يخطئ أحد الأطراف في تقدير رد فعل الطرف الآخر. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة؛ لأن الجميع يتحرك على حافة الهاوية، والجميع يعتقد أنه قادر على التحكم في مسار التصعيد.
الساعات المقبلة ستكون حاسمة للغاية. فإذا اكتفت الأطراف بالرسائل العسكرية المتبادلة فقد تعود الأمور إلى دائرة الاحتواء المؤقت، أما إذا قررت إسرائيل تنفيذ رد واسع النطاق على العمق الإيراني، أو إذا استمرت الهجمات المتبادلة بوتيرة متصاعدة، فإن المنطقة قد تكون أمام فصل جديد من الصراع يتجاوز حدود لبنان وغزة وسوريا ليشمل الشرق الأوسط بأكمله.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ما نشهده الآن مجرد جولة جديدة من جولات الضغط المتبادل، أم أننا بالفعل أمام الشرارة التي قد تعيد إشعال حرب إقليمية واسعة طالما حذر منها الجميع؟



