مصر وتركيا.. هل بدأ تشكيل توازن القوة الجديد في الشرق الأوسط؟

بقلم : يوحنا عزمي
من يتابع المشهد الإقليمي خلال الأشهر الأخيرة يدرك أن ما يجري بين مصر وتركيا يتجاوز بكثير حدود المصالحة الدبلوماسية التقليدية أو تبادل الزيارات الرسمية. فهناك ما يشبه إعادة رسم لخريطة التوازنات في شرق المتوسط والشرق الأوسط بأكمله، وهو ما يفسر حالة القلق التي تتسرب بين الحين والآخر من دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب كلما ظهرت مؤشرات جديدة على تنامي التواصل بين القاهرة وأنقرة.
الحديث عن طلب الولايات المتحدة إيضاحات بشأن طبيعة الاتصالات العسكرية والأمنية بين البلدين لا يمكن فصله عن إدراك أمريكي متزايد بأن المنطقة تشهد تحولات قد تقلص من حجم النفوذ التقليدي الذي مارسته واشنطن لعقود طويلة. فالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط قامت تاريخيًا على إدارة التوازنات بين القوى الإقليمية أكثر من تشجيعها على بناء منظومات تعاون مستقلة، ولذلك فإن أي تقارب حقيقي بين دولتين بحجم مصر وتركيا يثير بطبيعة الحال تساؤلات ومخاوف لدى القوى التي اعتادت أن تكون اللاعب الرئيسي في معادلات الأمن الإقليمي.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بالتنسيق السياسي أو الاقتصادي، وإنما بما هو أعمق من ذلك؛ أي احتمالات التعاون في مجالات التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا والتنسيق الأمني والاستخباراتي. فالعالم يشهد اليوم تحولًا كبيرًا في مفهوم القوة العسكرية، حيث لم تعد الدبابات والطائرات التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت التكنولوجيا المتقدمة والطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسياً من معادلة الردع الحديثة. وفي هذا السياق نجحت تركيا خلال السنوات الأخيرة في تحقيق قفزات لافتة في الصناعات الدفاعية، الأمر الذي جعلها لاعباً مهما في سوق السلاح العالمي بعد أن كانت تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد لدى العديد من الدول، ومنها مصر، بتنويع مصادر التسليح وعدم الارتهان لمصدر واحد مهما كانت قوة هذا المصدر أو حجم التحالفات السياسية المرتبطة به. فالدروس التي قدمتها الصراعات الدولية خلال العقدين الماضيين أكدت أن الاعتماد الكامل على دولة بعينها في التسليح قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية إذا تغيرت المصالح أو تبدلت التحالفات.
في هذا الإطار يبرز الجدل الدائر حول المقاتلات الصينية المتقدمة مثل J-10C، وكذلك استمرار الاهتمام بمنظومات تسليح أوروبية مثل الرافال الفرنسية. القضية هنا لا تتعلق فقط بالمواصفات الفنية أو القدرات القتالية، وإنما ترتبط أيضًا برغبة متزايدة لدى الدول في امتلاك هامش أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار العسكري بعيدًا عن الضغوط السياسية المحتملة. فكل دولة تسعى في النهاية إلى ضمان أن تظل منظومتها الدفاعية خاضعة لسيادتها الوطنية الكاملة دون أن تصبح رهينة حسابات خارجية في لحظات الأزمات الكبرى.
أما التجربة التركية مع منظومة S-400 الروسية فتقدم نموذجًا واضحًا لهذا التوجه. فأنقرة قبلت دفع ثمن سياسي وعسكري واقتصادي كبير عندما تم استبعادها من برنامج F-35 الأمريكي، لكنها في المقابل أرادت توجيه رسالة مفادها أن قراراتها الاستراتيجية يجب أن تنطلق أولًا من رؤيتها لمصالحها القومية لا من حدود ما تسمح به التحالفات التقليدية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي تطور نوعي في قدرات الجيوش المحيطة بها باعتباره تحديًا مباشرًا لعقيدتها الأمنية القائمة على الحفاظ على التفوق العسكري النوعي في المنطقة. ولهذا السبب تتابع تل أبيب بحساسية شديدة أي تحركات تتعلق بتحديث القدرات العسكرية المصرية أو التركية أو أي شكل من أشكال التعاون بينهما ، لأن مجرد وجود قوى إقليمية قادرة على اتخاذ قراراتها الدفاعية بشكل مستقل يحد من هامش المناورة الذي تمتعت به إسرائيل لعقود طويلة.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد بعين واقعية تفرض قدرًا من الحذر. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف ولا على النوايا الحسنة وحدها، وإنما على شبكة معقدة من المصالح المتغيرة. صحيح أن القاهرة وأنقرة تقتربان اليوم أكثر من أي وقت مضى مقارنة بسنوات التوتر السابقة، لكن التاريخ يعلمنا أن التحالفات الإقليمية تظل مرهونة بقدرتها على تحقيق مصالح متبادلة ومستدامة للطرفين. ولذلك فإن الحكمة الاستراتيجية لا تقتضي الثقة المطلقة أو الشك المطلق، بل بناء علاقات قوية مع الحفاظ على أدوات الحماية الذاتية والاستقلال الوطني.
ما نشهده اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في توازنات الشرق الأوسط، مرحلة تبحث فيها القوى الإقليمية الكبرى عن مساحة أوسع من الحركة بعيدًا عن الاستقطابات التقليدية. وإذا نجحت هذه القوى في بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة ونقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الذاتية، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة نظامًا إقليمياً مختلفاً عما عرفناه طوال العقود الماضية، نظامًا تكون فيه قرارات المنطقة أكثر ارتباطاً بعواصمها، وأقل ارتباطاً بما يُطبخ في الممرات البعيدة للقوى الدولية الكبرى.



